الا يكفي هذا الانحدار لإنقاذ جامعة صنعاء؟!!!

الاثنين، 13 فبراير 2012

انهيار قيمي في جامعة صنعاء


انهيار قيمي في جامعة صنعاء


د/ عبد الله مُعـمــر الحكيمي
أستاذ علم الاجتماع المشارك- كلية الآداب- جامعة صنعاء

كان للقرعة دور في تحديد الوزارات وإسناد التعليم العالي والبحث العلمي للمؤتمر الشعبي وصارت من نصيب الأستاذ الدكتور يحيى الشعيبي، والذي كان وزيرا سابقا لها، وهو أستاذ أكاديمي متمكن علميا وإداريا أيضا، لاسيما عندما كان محافظا لمحافظة عدن، والذي يرى العديد أنه قاد ثورة حقيقية في المحافظة بتلك الإجراءات والإصلاحات الإدارية والخدمية وأيضا في العديد من المشاريع التي استطاعت المحافظة أن تحصل عليها، ما ترك له ذكرى طيبة عند جميع أبناء المحافظة ، وكل من زارها.
وحيث وقد تم تعيين الدكتور يحيى الشعيبي وزيراً للتعليم العالي، وبما أننا نعيش حاليا في القرن الواحد والعشرين، ونعيش مرحلة ثورية شبابية شعبية تعم كل أنحاء اليمن، والتي قامت ضد الظلم والطغيان والفساد، وتطالب بالتغيير الشامل وفي كل المجالات، بما في ذلك المجال التعليمي والتربوي، وكذا الأكاديمي.. وأًذكر هنا أن ساحات التغيير والحرية دفعت ما يزيد عن ألف شهيد وأكثر من 22 ألف جريح هم خيرة شباب اليمن بحثا عن مستقبل أفضل لهؤلاء الشباب وأبنائهم، ومن ضمن ذلك المستقبل الأكاديمي أوالتعليم الجامعي والبحث العلمي.. وهنا أنوه إلى أن التركة في التعليم الجامعي ثقيلة إلى الحد الذي لا يمكن وصفه... وسأذكر جانباً منها من خلال نموذجية جامعة صنعاء ـ والتي وصلت من التردي والسيطرة للفساد فيها ما لا يمكن احتماله- وأشدد على جامعة صنعاء بحكم أني أستاذ بها، والوزير كذلك.

• فما يعرف بـ’’النظام الموازي’’ فساد مشرع له بحاجة إلى التعامل معه بموضوعية؛ فالجباية عبر التاريخ البشري بكل أشكالها وأنواعها لا تساوي شيئاً أمام هذا النوع من التعليم. ويكفي أن نشير للتذكير فقط أن هذا النوع من التعليم يخالف المادة (54) في الدستور اليمني النافذ حاليا في الجمهورية اليمنية والتي تنص على أن التعليم حق للمواطنين جميعا تكفله الدولة....
ناهيك عن الطريقة التي يدفع بها الطالب وتصرف بها تلك المبالغ، والتي تفوق المليار ونصف المليار ريال يمني سنويا للعام الدراسي، وخارج الأطر المحاسبية المعروفة، والرقابة المالية والإدارية..
أمام معامل متردية ومكتبات عقيمة، وأستاذ جامعي يهان بمبلغ 500 ريال على الرأس (الطالب) في الترم الواحد، ولا يحصل عليها إلا فيما ندر.
أما الطامة الكبرى فما يعرف بـ ’’التعليم عن بُعد’’ والذي هو عبارة عن شهادات مزورة بالقانون، ما عمل على انبعاث ريحات غير محببة .... عن الجامعة ومنها، وصلت مداها إلى خارج الحدود اليمنية لتتحول شهادات جامعة صنعاء الى شهادات مشكوك في أمرها في الدول المجاورة بسبب (سوبر ماركت ) التعليم عن بعد، والذي أبسط ما ينقصه المؤهل الخاص بالطالب قبل الدخول إلى الجامعة ـ أي الثانوية العامة ـ وعدم وجود نسخة من ملفات الطلاب في الكليات التي ينتسبون اليها، وكذا كشوف النتائج المرحلية لكل عام من سنوات النجاح، ناهيك عن الأقسام العلمية التي ينتسب إليها الطلاب وعدم معرفتها بأي بيانات عن الطلاب. وأحياناً قد يقوم أحدهم نتيجة لقربه من الإدارة بوضع الأسئلة وتصحيح الإجابات في القسم لجميع الطلاب وفي جميع المراحل، إذا رفض البعض من أساتذة القسم التعامل مع هذا النوع من التعليم.
وهذا يقودنا إلى فداحة وسعة حجم المشكلة من هذا النوع من التعليم، الذي يمتهن العلم وأخلاقياته وقيم التعليم الجامعي والأكاديمي، إلى الدرجة التي تجعلنا نتساءل: ما المصلحة من كل هذا ؟ ومن المستفيد؟ وإن وجدت الفائدة العامة من أي نوع كان فلماذا لا تأخذ العملية شكلها الصحيح؟ كما هو موجود في الجامعات العالمية التي وازنت بين كل من المصلحة العامة والقيم الأكاديمية!!
أما الفساد الذي رافق عملية التدريس في الأيام القليلة الماضية في مبانٍ خارج الحرم الجامعي، من صرفيات مهولة، يتطلب من الجميع متابعة تلك الأموال وأين ذهبت.. ويكفي أن أشير إلى أن أحد عمداء الكليات قام بالاستغناء عن عدد من موظفي كليته لأنهم طالبوا بحقهم من مكافأة النقل، مدعيا أنه العميد... والمكافأة له وليس لغيره من الموظفين! أما مهزلة المكان والخيام فهذا شيء آخر مضاف لما يحدث من فساد منظم في جامعة صنعاء أصبح ينخر عظامها نخرا شديدا، وأذكر هنا أن مجلس الجامعة عقد اجتماعه يوم 9 يناير 2012م بمطعم فاخر في حي حدة أسوة بالمجالس السابقة والتي عقدت اجتماعاتها ما بين الفلل والشقق والمطاعم والفنادق... الخ، في الوقت الذي تفرض علينا القيم الأكاديمية عقد مجلس الجامعة بالحرم الجامعي لتستمد القرارات الصادرة عنه حرمتها ومتانتها من القوة في التنفيذ.

• وكما هي قاعدة دائما من حيث الأهمية في المنظومة القيمية للجامعة، والتي يتبناها أعضاء هيئة التدريس ونقابتهم، إصلاح التعليم الجامعي ومكافحة الفساد ـ داخل أروقة الجامعة ــ وهما العمليتان المؤثرتان في رفع مستوى وكفاءة الطالب... فإصلاح العملية التعليمية سيمكننا من الإبداع وليس من النهوض بالمجتمع اليمني فقط، وهو ما يمثل هاجسا مسيطرا على سلوك أعضاء هيئة التدريس بالجامعة. فالتعليم بالطريقة التي تراها جامعة صنعاء حاليا يدل على أن العقلية التي تدير الجامعة حاليا لم تتجاوز بعد إدارة الكتَّاب (المعلامة) كونها تتجاهل أبسط الأسس والمعايير للتدريس الجامعي والمتمثل في المكتبة العامة والمعمل الجامعي والقاعة المناسبة للإلقاء، وجهاز الحاسوب باعتباره معملاً تدريبياً.. وكان الأجدى بدلا من إنفاق أكثر من 3 مليار ونصف في الخيم أن نذهب إلى أشجار حديقة الثورة، حيث لا يوجد فارق كبير بين معلامة الأمس ومعلامة اليوم في الصورة النمطية لدى من يدير الجامعة!
سأل شارل ديجول عندما أبلغ أن الفساد عم البلاد الفرنسية: هل وصل إلى الجامعات؟ قيل له: لا، لم يصل بعد إلى الجامعات.. فشكر الرب على ذلك. فأين نحن من ذلك في جامعة صنعاء ومن هذه المقولة؟ اللهم لطفك!!
إن التلازم بين الفساد والتعليم كتلازم اللحم والعظم في الكائن الحي، لا يمكننا فصلهما بأي حال من الأحوال.

• إن الخمس السنوات الأخيرة من تاريخ الجامعة جعلت منها مصدرا لانهيار القيم الأكاديمية والتخلي عنها ببساطة، بل وصدرت منها للجامعات اليمنية الأخرى.. وهي القيم الأكاديمية التي ظل يحافظ عليها العديد من رؤساء الجامعة السابقين، حتى وإن اختلف معهم البعض من أعضاء هيئة التدريس.
فالأستاذ الجامعي سعت الإدارة الحالية وبكل الوسائل إلى التقليل من مكانته أكاديمياً، عبر تقليل فرص التواصل مع الآخر، واكتسابه المعارف الجديدة أولا. فالندوات والمؤتمرات العلمية انخفضت إلى الدرجة التي لم تعد تذكر، لاسيما تلك التي لا تمجد النظام والسلطة وتنتمي إلى المبادرة العلمية والفائدة المعرفية الحقة، وإن حدثت فإن ظلما قادما لأعضاء هيئة التدريس المشاركين في ذلك الحدث ـ كما حدث للجغرافيين الذين عقدوا مؤتمرهم العلمي في ديسمبر 2010م، وجعلهم يلهثون خلف المستحقات ـ ينتظرهم عبر أساليب ووسائل متعددة، هي في حقيقة الأمر امتهان واضح للعلم والمعرفة وتجديد المعلومات بل وإنسانية وآدمية الأستاذ الجامعي.. كأن يظل أشهراً وسنوات يبحث عن مقابل جهده ومجهوده، بالرغم من شحته وضعفه لا يصل إليه في أغالب الأحيان، بينما بدل السفر الخاص بالبعض من النخبة الإدارية في الجامعة تصرف قبل أن يتم السفر بل وقبل النية في السفر ذاته، حتى وإن كان سفرا لحضور مؤتمر عن الذرة والفيزياء النووية أو مؤتمر عن علوم الفضاء والأطباق الطائرة لشخص يعمل في الحسابات أو مديرا للمكتب! أو حتى أستاذا بكلية الآداب ويعمل في الإدارة أو أستاذا للفقه أو القانون ... فالقصد هو بدل السفر وليس الفائدة العلمية والمعرفية للمسافر! حتى أن شركة بوينج وإيرباص أعلنتا عن توصلهما لتقنية جديدة وعالية الدقة والكفاءة لنقل رئيس الجامعة من طائرة عائدة إلى الوطن إلى أخرى ذاهبة دون أن تلامس قدماه أرض المطار، لتخفف عنه عناء حضور مؤتمرات في تخصصات عدة تعني بالأدب الجاهلي وتنتهي بعمليات ـ استشعار الشيء الغير موجود ـ واكتشاف البؤرة المظلمة في الفضاء الكوني! وكذا اتاحة المزيد من فرص مصادرة الدعوات العلمية لأعضاء هيئة التدريس في مختلف الكليات والتخصصات. 

• غير أن أشد الانهيارات القيمية، هي تلك السلوكيات التي يمارسها البعض من القيادات الإدارية والأكاديمية، وما يدور همسا ويطبق سلوكا لأساليب رفضت من قبل عوام شعبنا اليمني وليس الفئة الأكاديمية، التي أصبحت ترى في تبنيها للسلوك المناطقي- قولا وفعلا- حقلا خصبا لسلوك منبوذ ظناً بأن ذلك هو الطريق الأمثل والأسرع للصعود نحو العلو.
ففلسفة الصعود والتسلق الوظيفي أصبح: ادعمنا.. أنا من منطقة (....) والآخرين من منطقة (....)! وكذا الهمس بكل المفاهيم المناطقية والعنصرية ضد ذلك الآخر وأنه سبب في فشله وإفشاله بل ويسعي إلى إفشاله، حتى في عدم قدرته على الاستغراق في النوم جعل من الآخر سببا! بينما تسقط قيم الأخوة والزمالة والمواطنة المتساوية، والكل أبناء وطن واحد، وتنهار قيم المحبة وفلسفة الأخلاق والجمال والدولة والديمقراطية لتزيد من عملية انهيار القيم الأكاديمية في حرم الجامعة.

• إن العرف الأكاديمي وقوانين الجامعات تشير إلى أن مسئولية المقرر الدراسي تسند بقرار مجلس قسم إلى أستاذ يحمل درجة الدكتوراه ... وهو عرف أكاديمي يعمل به في كل الجامعات كقيمة أكاديمية، في الوقت الذي نجد إسناد مقررات لمعيدين بل ولطلاب بمستوى أعلى كالرابع!! في سابقة خطيرة لا تعزز الانهيار القيمي للقيم الأكاديمية في الجامعة بل انحدارها بصورة متعمدة لتصل إلى ( كتاب جامعة صنعاء) وهو فعل متعمد يظهر التدمير المنظم للقيم الأكاديمية في الجامعة من قبل إداراتها..ما يعني تدمير المستقبل للوطن بفعل ممنهج ومقصود. 
فالمحافظة على القيم الأكاديمية مساهمة في صنع مستقبل ناصع وخلاق ومساهمة فاعلة في بناء أمن قومي مستقبلي لليمن، بل والعمل الحقيقي في ظل أمن الوطن واستقراره. وأولى تلك الأولويات فرض الدراسة في الحرم الجامعي مهما كانت الصعاب والعوائق .. فالعرف والقيم الأكاديمية تفرض علينا ذلك بل وقانون الجامعات اليمنية والمنظمات الثقافية والاتحادات الدولية تحتم هذا.
بل إن كتاب القرية أو ’’المعلامة’’ ـ في الزمن الماضي القريب كان الفقيه أو (سيدنا) ـ يحدد لنفسه مكانا ويعتبره مقدسا لتعليم تلاميذه- لا يتغير أبدا، بالرغم من أن النقل لا يكلفه 3 مليار ريال كما كلف جامعة صنعاء، بل يمكن أن يتم مجانا. 
ومع ذلك يفضل البقاء مكانه، المكان الذي تعود إعطاء دروسه فيه وتعود عليه طلابه، وفيه عرفه العامة والخاصة من الناس، وفيه وجد ذاته وفيه أيضا إرساء لقيم العلم التي لا تخترق أبدا.
فهل الخلاف الحالي في جامعة صنعاء خلاف سياسي أم تحدي أم قيمي؟؟؟

• لا ... ليس سياسياً وليس تحدياً، بل خلاف قيمي في الدرجة الأولى، بين مجموعتين ... وان كانت الأولى ممثلة بالإدارة الحالية وعدد من الأنصار ترى أن الأمر سياسي أو تحدٍّ بحت .. والثانية ممثلة بالنقابة وعدد من المحافظين على القيم الأكاديمية من أعضاء هيئة التدريس. ترى المجموعة الأولى أن خرق القيم الأكاديمية والدوس عليها سيمكن البعض من الصعود نحو العلو في الوظائف مستقبلا وبذلك لا يهمها سوى إبراز الذات والنزوع نحو اقتناص الفرص والسير في خط مستقيم تدمر من خلاله كل القيم الأكاديمية وبكل نرجسية..وتستخدم الطالب ذريعة في هذا التدمير من منطلق الحرص على مصلحته.
فإدارة الجامعة أمنيا هي لمصلحة الطالب، كما تدعي، والتدريس خارج الحرم الجامعي هو أيضا لمصلحة الطالب، وأشياء كثيرة هي في الأساس تدمير للقيم الأكاديمية وتقضي عليها تراها في مصلحة الطالب. وفي الحقيقة هي أيضا تضخيم للذات وبحثا عن مصالح شخصية للقائمين على هذه التصرفات من خلال إثبات ولائهم للغير حتى وإن كان على حساب القيم الأكاديمية وخرقها، وليس لمصلحة الطالب كما يدعون أو يسربون في ادعاءاتهم.
أما المجموعة الثانية ... تلتف حول النقابة بالرغم من تناقض هيئتها الإدارية سياسيا وانتمائهم لعدة أحزاب، لكنها ترى فيها إطار يجمع ويجتمع الجميع فيها كونها تحافظ على القيم الأكاديمية وتراقب الاختراقات للمنظومة القيمية الأكاديمية.
وبالرغم من اختلاف العديد من أعضاء هيئة التدريس بالجامعة معها في العديد من المواقف والآراء إلا أن الكل يلتف حول عملية المحافظة على القيم الأكاديمية ودعمها .. وهو ما يعني الموقف المعارض لمجموعة المصلحيين العاملين على تدمير قيم التعليم الجامعي، إما برغبة أو إرضاء لذوي السلطان والتقرب من أصحاب الحظوة والقرار لإثبات الولاء.
وترى هذه المجموعة ضرورة التمسك بالقانون والقيم الأكاديمية والمحافظة عليهما كهدف نبيل يعزز العملية التعليمية والتربوية في الجامعة ويقوي من مخرجات التعليم وجودته.. وهي المجموعة التي تًثبت الانتماء ليس للجامعة وحسب بل للوطن بأسرة، ومن خلال تبنيها لمسألة الدفاع عن القيم الأكاديمية، ولها من المواقف ما يمكن الاستدلال بها...عبر عقدين من الزمن اصطف بها وحولها الجميع مما شكل كتلة تجاه المجموعة الأولى في اختراقاتها للقيم الأكاديمية؛ كالتعيينات خارج إطار القانون الأكاديمي لتعيين أعضاء هيئة التدريس بالجامعة، سواء كان ذلك للمعيدين أو لأعضاء هيئة التدريس من حملة الدكتوراة المخالفة لقانون الجامعات، وكذا التعيينات في المراكز القيادية لجامعة صنعاء والتي أصبحت إدارة الجامعة الحالية أكثر ولعا بها حاليا؛ فكل عمداء الكليات لا يوجد لديهم قرارات تعيين في مراكزهم، بل يمارسون أعمالهم بتكليفات لا قرارات، في الوقت الذي يشير القانون بوضوح إلى أن عمداء الكليات يزاولون أعمالهم بعد حصولهم على قرارات تعيين من رئيس المجلس الأعلى للجامعات، رئيس الوزراء، بشروط خاصة يجب توفرها في المعيَّن؛ وهي شروط خاصة بالعمل الأكاديمي وليس الإداري، ما يعني أنها تختلف اختلافا كليا عن التعيينات الإدارية في أي مؤسسة إدارية، وحتى في الجامعات ذاتها.
وما ينطبق على العمداء ينطبق أيضا على رؤساء الأقسام العلمية في الكليات والذين يشترط القانون حصولهم على لقب علمي بجانب حصولهم على الدكتوراة أيضا ـ أستاذ أو أستاذ مشارك ـ وهو ما لم تلتفت إليه إدارة الجامعة في أغلب الأحيان إذ تقوم بتعيينات لرؤساء بعض الأقسام من حديثي التخرج ضمانا للولاء أو لغيره.
ما يعني إلغاء وتجاوزاً لكافة القيم الأكاديمية المعمولة بها في الجامعات العالمية التي تسهم في تنمية مجتمعاتها بصورة فعالة، من خلال محافظتها أولا على القيم والأعراف الأكاديمية والعمل بها.
وحتى تلك القيم التي كان يكتسبها الباحثون عن التعليم في كتاتيب زمان في الريف اليمني- عبر تعزيز علاقة احترام الأدنى للأعلى كعرف تربوي- تحولت إلى عبث أخلاقي تنهار معه كل مقومات الاحترام المتبادل بين الأستاذ والطالب، لتدمر معه قيم المهابة والاحترام المبجل من الطالب لأستاذه وتستحيل قيما بديلة عبر البوابة الأمنية والاستخبارية مرورا بتصفيات حسابات شخصية بين رموز من الإدارة والأستاذ، بنوع من الابتذال الرخيص لإرضاء الغير. حتى أصبح البعض من عمداء الكليات وإدارة الجامعة يديرون عدداً من الطلاب من أجهزة الأمن لتصفية حسابات خاصة مع البعض الآخر من زملائهم، إما لإزاحتهم من طريقهم، أو للتقرب من الغير أو لتصفية حسابات خاصة، بواسطة الدفع بتلك المجاميع إلى المواجهة المباشرة، في تدمير واضح لمضمون القيم الأكاديمية في الجامعة!
• لأعضاء هيئة التدريس بالجامعات اليمنية وصنعاء تحديدا مطالب تستند عليها منذ زمن وحتى الآن.. مطالب مرحَّلة عبر تاريخ زمني ليس قصيرا ، بل تمتد إلى القرن الماضي، كان آخرها الإضراب الذي دعت اليه نقابة أعضاء هيئة التدريس بجامعة صنعاء وعمران في إبريل ومارس2010م- باعتبار أن الاعتصام والإضرابات تعبير عن مطالب حقوقية لدى المؤسسات وقيمة في العمل الأكاديمي علمية وتربوية. وبالفعل كان لذلك الإضراب رد فعل باعتباره أطول إضراب نفذه أعضاء هيئة التدريس، وثانيا ككل الإضرابات كلِّل باتفاق عام بين النقابة وجامعة صنعاء ووزير التعليم العالي السابق ورئيس الحكومة السابقة تضمن 26 بنداً، بعض هذه البنود تراوحت الفقرات ما بين 7 فقرات تتبع هذه البنود.. و15 فقرة، ومع ذلك ينفذ! في انهيار أخلاقي واضح للعهود والمواثيق من قبل مؤسسة تدعي أنها أكاديمية.
وكان البند رقم 26- الفقرة 3- ينص على : اتفق الجميع على أنه في حال عدم الالتزام بتنفيذ بنود هذا الاتفاق بحسب المواعيد المحددة فيه، فإنه من حق النقابة الدعوة إلى الإضراب مجددا.
إنها مطالب أبسطها التأمين الصحي لأستاذ الجامعة، المعرضْ في أي لحظة من اللحظات للأمراض الخطيرة بحكم المهنة التي يمارسها- بحسب التصنيف العلمي للأمراض مثل الجلطة المفاجئة ارتفاع الضغط، السكتة الدماغية ارتفاع السكر في الدم وغيرها من الأمراض الناجمة عن العمل الذهني الصرف- يشاركهم في هذه الأمراض فئة الساسة والصحفيين،على اعتبار أن هذه الفئات تصاب بهذه الأمراض نتاجاً لطبيعة العمل الذي تمارسه.
وهو ما تطالب به نقابة أعضاء هيئة التدريس منذ تأسيسها وحتى اليوم دون أن تتمكن من الوصول إلى تحقيقه، نتيجة للتسويفات والابتزاز الذي يمارس من الجهات الإدارية في الجامعة، بصورة مخالفة لقيم العقود وأخلاقيات الاتفاقات المبرمة بين الناس. تلك المطالب لم ينفذ منها شيئ حتى ألآن، في نكوث واضح للعهود والمواثيق من قبل إدارة الجامعة، لاسيما السكن الجامعي والذي سبق للنقابة ان دفعت قيمة الأرض الخاصة بالسكن من قوت الأستاذ وأبنائه.. السكن الذي يمكن أن يشعر أستاذ الجامعة بالأمان والمواطنة المتساوية مع الغير، ويفتقد إليه أكثر من 95% من أعضاء هيئة التدريس بجامعة صنعاء، بالرغم من المطالبة بذلك لأكثر من 21 عاماً!! فكيف يمكن لأستاذ أن يتجاوب مع دعوة للعمل بالقاعة والوفاء بتبعات المهنة كاملة .. من إعداد، واطلاع، وبحث علمي ....الخ، في بلد لا يمتلك فيه سكنا (ليس قصرا)! وبلد لا يؤِّمن مستقبل الأجيال القادمة ليس بوطن. ووطنا لا يمنحنا الأمن والاستقرار لا يمكن أن يكون الأمل المنشود للأجيال القادمة؛ فلا يشعر الآباء أنهم مطمئنون على أبنائهم بعد الممات، ولا يمكن أن يخلص الأبناء في خدمته.
إن عدم امتلاك أعضاء هيئة التدريس بالجامعات للسكن يشعرهم دوما بأنهم مغتربون (مهاجرون) وأن عليهم العودة إلى أوطانهم بعد انتهاء فترة عملهم بمدينة صنعاء.. وأما معاش التقاعد فهو حق مكفول لكل من عمل مدة معينة، سواء في صنعاء اليمن أو غيرها من البلدان، سيصله كل شهر عبر التحويل البريدي أو البنكي وإلى أي مكان، لكن عليه العودة إلى وطنه حتى لا يصبح عبئا على الآخرين في أوطانهم فخدمته في وطن الغير انتهت مدتها!
إن عدم التعامل مع القضايا المطلبية والحقوقية لأعضاء هيئة التدريس، وتسويفها من قبل إدارة الجامعة، نوع آخر من الانهيار القيمي الممنهج من قبل الإدارة للعلم والأخلاق معاً.