الا يكفي هذا الانحدار لإنقاذ جامعة صنعاء؟!!!

الخميس، 14 يونيو 2012

دعوها اتحادية متعددة الأقاليم ...!!




دعوها اتحادية متعددة الأقاليم ...!! 

د.عبد الله معمر الحكيمي

الخميس 14 يونيو-حزيران 2012 12:03 ص

دعوها دولة اتحادية متعددة الأقاليم , كما أرادها الله فإنها مأمورة، هكذا أراد الله لهذه البلاد أن تكون منذ بدء ظهور الدولة وبشكلها الجنيني المنظم. 
فاليمن يمكن أن تكون الدولة القديمة الوحيدة في التاريخ القديم التي اتجه الناس فيها إلي أسلوب الإدارة الجزئية أو الإقليمية وعرف بنظام المخاليف وتراتب الاقيال والاذواء. 

لقد أراد الله لهذه البلاد أن تكون كذلك قبل نزول دياناته, وإرسال رسله على عباده من البشر, وبالتالي فإن كل اتجاه مخالف لذلك النظام يصاب بالفشل دوما فنجاح أي إدارة في اليمن لا يتأتى الا من خلال الاعتراف بالآخر وقدرته على إدارة ذاته وبمعاييره الخاصة التي تنطلق من الخاص إلى العام وليس العكس. 

فالعام يزيد من الهيمنة والسيطرة إلى الدرجة التي يلغي فيها الخاص, ويسخر من اجل العام او المركز, ومع اشتداد السيطرة من قبل العام (المركز) يتجه الخاص (الأطراف) نحو الإقليمية (الأقاليم) أو التمزق من جديد والميل لإعلان دويلات مستقلة وهما الخياران الماثلان أمامنا الآن, باشتداد السيطرة من قبل المركز (الدولة المركزية) في جعل الخيارين أمام المحافظات ويبرزان بوضوح في رفع شعار الدولة المدنية الديمقراطية بأقاليم متعددة ضماناً للمواطنة المتساوية, وضمانا لاستمرار الوطن الواحد دون تجزئة, ولا اقصد هنا شمال وجنوب, بل إني اذهب إلى ما هو ابعد من ذلك, فالشمال لا يمكن أن يظل شمالا كما كان ويقبل بالمركزية أو المركزية الاستبدادية, فالناس ضاقت ذرعا بهذا النوع من الحكومات والإدارات التي تصادر أبسط الحقوق الربانية, والإنسانية, والبشرية والدينية. 

 لكن الساحات أوجدت مع وجودها وعيا آخر لو استمررنا سنين وأعواماً نحاول بثه ما استطعنا وبكل ما لدينا من وسائل إعلام وخبرات وما تمكنا من الوصول اليه, بيد أن الساحات استطاعت العمل وبفترة وجيزة على ان توجد وعيا مغايرا توصل اليه الشباب بفضل ساحاتهم تلك, وفي حال مصادرته أو التآمر علية وعدم تحقيقه وتحت أي مبرر كان, حزبيا أو سياسيا أو لتحقيق مصالح ذاتية آنية و مستقبلية, فإن على الجميع أن يستعدوا لرد الفعل القادم من وسط بركان الشباب. 

لقد أثبتت الدولة المركزية مؤخرا في اليمن فشلها الإداري والسياسي والتنموي ولم تتمكن خلال المائة السنة الماضية من تحقيق أي تقدم نحو الأمام. ففي المجال التنموي تعد اليمن مقبرة المساعدات ومن أفقر بلدان العالم التي لم تؤثر أو تظهر فيها أثر تلك المساعدات في الواقع, بحيث تحقق قفزة نوعية تتغير معها منظومة الفقر والتخلف والبطالة. 

 وفي المجال السياسي تعد اليمن من أكثر البلدان فشلا في سياستها الخارجية, فلم نتمكن من لعب أي دور إقليمي أو عربي واضح, وربما فشلنا الذريع في الملف الصومالي خير دليل على ذلك, في الوقت الذي تحقق فيه الحكومة التركية خطوات متقدمة في فترة وجيزة, ناهيك عن الدور في المنظومة الدولية, حتى حروبنا الخارجية تهزمنا فيها خفافيش الظلام وبسهولة أيضا. 

لكن فشلنا الأكبر يأتي في إدارتنا الداخلية, فقد شرذمت اليمن إلى دويلات صغيرة تشبه قطع الحلوى بفعل عامل الاستبداد خلال المائة عام المنصرمة, كما أننا لم نتمكن من إقامة نسيج اجتماعي يعزز عمليات الانتماء للوطن اليمني لدى الأجيال منذ الاستقلال عن الحكومة التركية وحتى اليوم, لكننا بالمقابل جسدنا ونمينا ثقافة الاستبداد والاستحواذ والسيطرة الأسرية والفردية والقبلية والمناطقية الجغرافية, وحشدنا من اجل ذلك كل الطاقات والجهود الأدبية والعلمية والمنهجية والتربوية لتعزيز مثل تلك الثقافة واعتبرناها قيما ثابته, حتى أننا حاولنا أن نلبسها ثوب الوطنية, تحت مبرر الثوابت الوطنية التي لا تمس .. فأي ثوابت تلك التي تتنافى مع الحق الإنساني!! و أي ثوابت تلك التي تعطي الآخر الحق في مصادرة حقي كإنسان في العبادة والوجود والحياة, والقول والعمل !! بينما تتيح للآخر أن يعيث كما يريد؟ وأي ثوابت تلك التي تتيح للبعض نهب المال العام والأراضي وامتهان كرامة الآخر وإنسانيته ومصادرة حقوقه الربانية...؟. 

لقد ارتكبنا أخطاء ثلاثة في سبيل تثبيت الدولة المركزية, وبأسلوب استبدادي محض, الأول: كان في محاولة الإمام يحيى بسط نفوذه على التراب اليمني, ولكن وفق منظور الدولة المركزية المستبدة وليس الدولة الراعية والحافظة لمصالح الوطن وأبنائه, ما جعل من بعض المناطق تنزع نحو رفض تلك العملية وتتجه نحو تأسيس إدارات ذاتية بعيدا عن سطوة المركز وسلطته ورفضا لمنظومة الاستبداد المركزي لدولة الإمام وذلك في الجزء الأكبر من الوطن, عرفت باسم الجنوب فيما بعد, وكان الخطأ الثاني بعد الوحدة اليمنية 1990م, والذي دخل فيها الناس بقلوب صافية ونية صادقة, وبمحاولة المركز فرض ثقافة وآلية الاستبداد المركزي والسيطرة المستبدة المندرجة تحت مفهوم إلغاء الآخر وعدم الاعتراف به, وها نحن نعيش مرحلة خطر تهدد الوطن بأكمله جراء تلك المنظومة . 

لكن الخطأ الفرعي الذي يحمل من الأهمية مزيدا من التوقيت المبشر بالانفجار المستقبلي فيما لو أننا تعاملنا مع الأمر وفق منظومة قيم الاستبداد, وإلغاء الآخر, ما حدث بعد ثورة 26 سبتمبر من استحواذ وسيطرة مقابل تهميش البعض الآخر من أبناء اليمن لأسباب جغرافية, فيمكن لتكرار مثل هذه الآلية أن تنتج حربا أهلية أكبر تؤدي إلى بناء دويلات جديدة على التراب اليمني ما سيمثل لنا الخطأ القادم, والذي سيرافقه نوع آخر من رد الفعل, نوع جسد في بنية الوعي الثقافية حتى أصبح وعيا جمعيا لدى جميع أبناء الوطن اليمني... وهو الحق في المواطنة المتساوية للجميع وهو ما يتنافى كليا مع الدولة المركزية, حتى وان برر المروجون لها بتحقيق الدولة العادلة, والحداثة, ودولة القانون ... الخ, فالدولة المركزية دولة استبدادية لا تمنح حق المواطنة المتساوية لأفرادها مطلقا، بل على العكس تميل دوما إلى مصادرتها تحت مبررات عدة. وتحقيق العدل والحرية والحقوق والمواطنة والديمقراطية والوتيرة الأسرع في التنمية الاجتماعية والاقتصادية, كلها لا تتحقق بغير الدولة الاتحادية المتعددة الأقاليم, فدعوها اتحادية فإنها مأمورة. 


 * أستاذ علم الاجتماع / جامعة صنعاء 

السبت، 9 يونيو 2012

مظلومية.. تعز.. قضية بحجم الوطن



مظلومية.. تعز.. قضية بحجم الوطن!! 

بقلم/

د.عبد الله معمر الحكيمي

الجمعة 08 يونيو-حزيران 2012 12:08 ص
ظهرت أحاديث كثيرة في الأيام الأخيرة حول مظلومية تعز والحديدة، بل إن البعض اشترط حضوره مؤتمر الحوار الوطني بالأخذ بمظلومية تعز والحديدة، وفي ذات الوقت يتم الحديث عن وجود قضايا للعديد من المناطق الأخرى في اليمن، وفي أحيان أخرى يتم تجاهل الحديث عن وجود مظلومية لتهامة وتعز، بينما يطفو الحديث عن قضايا وبالتحديد الجنوب وصعدة وتهامة ويتم التجاهل لتعز..
 وهو ما أود توضيحه وإن كنت أتعاطف كثيراً مع قضية تهامة إلا أنني سأدع الأمر لأهلها فمكة أخبر بشعابها.
وإلى كل من يتجاهل تعز ويجلها أو يرى أنها مظلومية - أياً كان أو كانوا - عليهم أن يصحوا من الهذيان ليعيشوا قليلاً في حالة من الصحيان بعيون مفتوحة وقلوب خالية من الرومنسية والشاعرية لينظروا أن تعز لا تعني العليمي، ولا البركاني, ولا الجندي, فمثلهم ليسوا مظلومية ولا حالة الانعتاق منها, وليسوا قضية أيضاً ولا يمثلونها.
فتعز تمثل أنموذجاً لاستلاب تاريخي لحقوق بشرية وكرامة إنسانية أمام واجبات خراجية فرضت وتفرض عليها منذ زمن ليس بقريب, بعيداً عن واجبات إنسانية ومشروعية وأخلاقية وبعيداً عن مشروعية العدالة الاجتماعية والدينية والسياسية, وبعيداً عن الحق الإلهي والإنساني والالتزام الأخلاقي تجاه الوطن والواجب، مقابل مزيد من ممارسة الظلم والقهر الاجتماعي والاستبدادي السياسي.
تعز ليست قضية أو مظلومية, فتعز عطاء بلا حدود وبدون مقابل, تعز تعطي دوماً، لقد أعطت منذ العام 1920م في حركة المقاطرة, وأعطت في حركة الأحرار وثورة 1948م, وثورة 26 سبتمبر و14 أكتوبر, ولم تأخذ شيئاً, أعطت كما تعطي الأم لأبنائها, وأخذت مقابل ذلك التمييز الجغرافي ضد أبنائها، بالرغم من كثافتهم السكانية، والتي يخفض عددهم في السجلات الرسمية بكل تعداد سكاني بمعدل 20 ـ 25 % مقابل رفع أعداد الآخرين.
 تعز أعطت اليمن كل اليمن من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه, أعطت اليمن علماً وثقافة وأدباً وخبرات, وحنكة سياسية مقابل السجون الأمنية والسياسية وتقليم الأضافر وقلع العيون, تعز أعطت مدافعين عن الكرامة مقابل الاستهجان والاستحواذ والعكفة أو العسكري بقاء, والمنفذ القادم من أي جزء من الوطن إلى أقصى منطقة في تعز (العجعجي ابن العجعجي) والمرأة التي (لا تشخ من الطاقة).
تعز الوحدوية دوماً وعبر التاريخ مقابل الاتهامات الدائمة لكل من قال أن لتعز حقاً على الوطن... بالعنصرية والعمالة للاستعمار والخارج والتآمر ضد الوطن.
الوطن المنهوب لجماعة ما, ومن جماعة ما, ليس من الآن ولا من الأمس القريب, بل من العديد من الأئمة المصطفين منذ زمن الإمام المتوكل على الله إسماعيل, الذي ظل يدعو الله طيلة حياته أن يغفر له رب العباد إن كان قد ترك قليلاً من المال بأيدي (الشوافع)...اللهم سامحه واغفر له على خطئه إن كان قد ترك قليلاً من المال في يد (الشوافع) ولم يتمكن من أخذه عليهم لسهو أو لعدم معرفة بمكانه أو لوجود الشافعي في رأس جبل لم يتمكن الإمام المتوكل على الله إسماعيل, أو أحد عسسه من الو صول إليه.
فتعز إذن ليست قضية أو مشكلة أو مظلومية يستعطف بها الأبناء الطيبون في الجزء الجنوبي الغربي من اليمن, وليست معضلة أيضاً يصاب منها الجسد بوهن شديد.. لكنها حق من زمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لكن ليس حق تقرير المصير, وإنما مقابل عطاء أبنائها، حقهم في المساواة مع الغير في المواطنة.
تعز وطن في زمن الاعتراف بالأوطان والمشروعية الدولية للأوطان, تعز مواطنة متساوية مع جميع من في الوطن ومساواة في الواجبات بعد أن ساد النقيضان هناك من يجبي مع الخوف من حساب الله إن ترك شيئاً سهواً ليقتات منه المجبي منه أو يقيت أطفاله.
تعز في زمن الثورة الشبابية الشعبية, تعيش ثورة ثقافية من نوع آخر.. ثورة الحقوق والانتصار لوطن.. ثورة قضية هي قضية وطن وليس قضية تعز.
فتعز ليست مظلومة بل تعز المسلوب حقوقها كما سلبت حقوق الغالبية من أبناء الوطن لصالح الأقلية. لكن انكفاء العديد من أبناء المناطق في اليمن على أنفسهم ولم يجعل تعز تنكفىء على ذاتها بل ظلت تعافر دوماً بموجب قانون الدافعية المعاكس كلما زاد الفعل زاد رد الفعل المضاد له في الاتجاه والمساوي له في القوة, فالقوة في المقاومة هو نوع من الرفض المضاد لعمليات الاستلاب المنافي بكل أنواعه وأشكاله.
وكلما وُجد نوع من أنواع المقاومة العقلانية والحكيمة كلما أًلبس أبناؤها لباساً غير لباسهم واتهموا بالعنصرية والطائفية والمناطقية وعدم الرجولة, وكأن المقامة العنيفة هي السمة الغالبة لقيم الرفض والمقاومة والمحبذة أيضاً في زمن السلم والأمن الاجتماعي.
تعز مدنية بامتياز ترى في من يمثلها في مجلس النواب أن يكون من اليمن أولاً وليس منها, لذلك صعد منها وبأصوات أبنائها أربعة لعضوية مجلس النواب, ولم تنظر إن كانوا من أبناء تعز أم لا، فهي مدنية لكل اليمنيين وتتسع للجميع؛ كونها تنبذ المناطقية الجغرافية والسلالية والعشائرية والقبلية وتقدس المدنية والتوجه نحو المستقبل ليس لها بل لكل أبناء اليمن.
نعم تعز قضية لكنها ليست بحجم تعز بل بحجم الوطن اليمني, فالمخبازة والبوفية ليست حقاً منهوباً لأبناء تعز من الغير, بل حق مفروض على أبنائها بدلاً من الانكفاء, والتقوقع نحو الذات الحزينة, ورفض ومقاومة لحق مستلب من حقوق المساواة بينهم وبين الآخر في المواطنة, وهما (المطعم والبوفية) ليستا نهباً من أحد يساوي نهب المال العام للدولة ونهب الأراضي وحقول النفط, وسياسة الاستحواذ على المال والسلطة والقوة في الدولة اليمنية.
ومع ذلك فتعز قضية بأقل من دولة.. فلم تحلم تعز يوماً بأن تكون دولة مستقلة ومنسلخة عن الوطن اليمني، ولم تنزع تجاه ذلك أيضاً, فهي وحدوية تؤمن بضرورة أن يظل الوطن اليمني واحداً، وتدافع عن هذا المبدأ، مع تمسكها بالعدل والمساواة والشراكة المجتمعية لجميع أبناء الوطن في السلطة والثروة والقوة دون تمييز، ويكون الدين لله وحده الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد. 

*أستاذ علم الاجتماع - جامعة صنعاء

 

السبت، 2 يونيو 2012

نحو دولة مدنية متعددة الاقاليم ....!!!



دولة المعافر..و إقليم تعز في الدولة اليمنية


لقد دلت الاكتشافات الأثرية التي أجريت في السبعينيات من القرن الماضي على أن الإنسان منتصب القامة أول ما وجد كان في المناطق السهلية والمرتفعات الجبلية وهي الأراضي الداخلية في باب المندب تعز حاليا، ومن ثم خرج إلى بقية أنحاء العالم عبر ثلاث طرق. ويري عالم الآثار اليمني الدكتور عبده عثمان غالب أن خروج الإنسان الأول منتصب القامة من هذا الجزء إلى كافة بقاع الأرض عبر ثلاث طرق: الأول شرقا عبر وادي حضرموت، ومن ثم إلى الهند عبر إيران وعمان. والثاني: شمالا في اتجاه المرتفعات الوسطى والشمالية الشرقية من الهضبة الغربية وصولا إلى وادي الجوبة مأرب. والاتجاه الثالث: شمالا صوب نجران والجوف، ومن ثم كان انتشارها إلى مختلف أنحاء العالم.
ولهذا الجزء من اليمن (الجنوبي الغربي) نطاق جغرافي واحد يشمل وحدة جغرافية، تتكون بنيتها الجغرافية من تراص منتظم لصخور الأساس من حقبة ما قبل الكمبري ورسوبيات الميزوي (أحجار جيرية ورملية ) ومكونات البراكين من الزمن الثلاثي والزمن الرباعي، وتضم كامل الجزء الجنوبي الغربي من إقليم المرتفعات الجنوبية الذي يشرف على باب المندب وخليج عدن، ويدخل ضمن حدودها ما يعرف اليوم بمحافظة تعز ومحافظة عدن ومعظم الأجزاء الغربية من محافظتي لحج والضالع وجزء كبير من محافظة إب يمتد بخط منحني يبدأ من حدود محافظة الضالع مرورا بمنطقة السحول وانتهاء بمنطقة الأشاعر بتهامة. كما يدخل ضمن هذا النطاق القرن الإفريقي كونه الأقرب إلى قارة آسيا من جهة الغرب.. وإن كانا لا يلتقيان منذ انفصال شبه الجزيرة العربية عن قارة إفريقيا وتكون البحر الأحمر قبل حوالي 40 مليون سنة.
وكما كان هذا الجزء أو النطاق الجغرافي المنطقة التي انتشر فيها الإنسان إلى آسيا في العصر الحجري القديم فقد كان أيضا منطقة أساسية للمقايضات التي كانت جارية في البحر الأحمر خلال الفترات التاريخية القديمة.
وعرفت هذه المنطقة تاريخيا باسم المعافر انتسابا إلى الدولة المعافرية أو ’’مخلاف المعافر’’ كما عرف في بعض الأحيان، والذي يضم مدنا كثيرة ومستوطنات بشرية وقرى عدة. وكان مركز المخلاف مدينة السواء. وكان أحد حكامها يدعى كليبوس ( كليب).
وكانت دولة المعافر تتبعها أحيانا أقاليم أو مخاليف عندما تبسط نفوذها على بقية الدويلات اليمنية. وفي حال انحسارها تتحول إلى إقليم يتبع الدولة اليمنية التي تبسط نفوذها وتسيطر عليها (مثال على ذلك علاقة المعافر بأوسان وقتبان وسبأ وحمير).
حتى وإن كانت في بعض الفترات التاريخية تحكم جزئيا وفق النظام المركزي إلا أنها لم تمثل حالة عامة وسائدة بل تعد من طبيعة الشد والجذب بين كل من المركز والأطراف، الذي ما يلبث وأن تتغير وضعيته وآلياته إلى النظام المعروف بالمخاليف، أو ما يمكن أن نقول عليه نظام ’’الأقاليم الاتحادية’’.
فالدولة السبئية كان يعرف ملكها أحيانا باسم (ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات وأعرابهم في الطود وتهامة) وأحيانا تزيد عدد الألقاب الخاصة بالملك عن ذلك وأحيانا تنحسر إلى أقل منها بحسب اتساع رقعة الدولة وعدد المخاليف (الأقاليم) المنضوية في الدولة الاتحادية (مجازا).
ويعد هذا الشكل التنظيمي والإداري والسياسي الأقدم في التاريخ اليمني وصل إلينا وتعرفنا إليه بحسب مصادر التاريخ، يوضح أن اليمن لم تحكم قط عبر الإدارة المركزية سوى في الفترة المعاصرة، والتي يمكن أن نعرفها بفترة الاستبداد (1918-2011)؛ حيث بدأت مع خروج الأتراك من اليمن وتوزيع تركة الرجل المريض (تركيا)، ومعها تسلم الإمام يحيى حميد الدين مهام إدارة الدولة في اليمن، لاسيما تلك المناطق التي لم تدخل ضمن إدارة الإمام يحيى بموجب اتفاقية صلح دعان 1911م بين الإمام والأتراك، والذي جاء في مضمونها اعتراف الدولة التركية للإمام بالسيادة الروحية على المناطق التي تخضع للمذهب الزيدي، أو لنقل أن الأتراك اعترفوا للإمام بموجب اتفاق دعان بالإدارة الذاتية للمناطق المشمولة بالاتفاق. وهذا دليل على أن اليمن لم تحكم مركزيا بشكل قطعي قبل 1918م، وإنما خضعت لما يعرف حاليا بنظام الحكم المحلي، أو الأقاليم الفيدرالية الاتحادية، وعبر تاريخها الطويل لما عرف باسم (المخاليف).
فالدولة المعافرية ـ مثلاـ كانت تتبعها أقاليم أو مخاليف عندما تبسط نفوذها على بقية الدويلات اليمنية؛ وفي حال انحسارها تتحول إلى إقليم يتبع الدولة اليمنية التي تبسط نفوذها وتسيطر عليها (مثال على ذلك علاقة المعافر بأوسان وقتبان وسبأ وحمير).
وتقع المعافر بين 12،5 الى 1ْ4 شمال خط الاستواء، وبين خطي طول 43 و45شرقا، وهي المنطقة الواقعة جنوب غرب اليمن، وهي تسمية أطلقت من قبل الجغرافيين والمؤرخين العرب على تلك المنطقة المشتملة على الحجرية حالياً والأشاعر وشرعب والكلاع والمخاء وموزع حتى باب المندب والشيخ عزيز جنوب غرب الإقليم ممتدة إلى الشمال والصبيحة جنوبا إلى عدن
والمعافر هي المنطقة المعروفة حاليا باسم محافظة تعز، الى جانب المناطق المجاورة لها من المحافظات الأخرى ( إب، الحديدة، لحج، الضالع ) أي تلك المنطقة التي تقع في الجزء الجنوبي الغربي من اليمن، بما فيها باب المندب وسواحل البحر الأحمر الجنوبية الغربية منه.
وللمخلاف قديما سوق تجاري ( موزع أو موشج) تصل إليه البضائع المنقولة في السفن وفيه تتم عملية البيع والشراء للبضائع المحلية والقادمة في السفن. وللمخلاف أيضا مرفأ على مضيق باب المندب تتزود منه السفن بالبضائع وحاجتها من المياه والغذاء لتنطلق صوب وجهتها بعد ذلك (تصدير واستيراد).
ولعبت المعافر دورا كبيرا على مدى التاريخ القديم والإسلامي في المنطقة القريبة من باب المندب؛ فوصلوا البر الإفريقي وساحل الذهب واستوطنوها بل وحكموها أحيانا. وكانت لديهم علاقات مصالح مع مملكة أكسوم، وتبادل تجاري مع الداخل الإفريقي من خلال موانئ باب المندب وخليج عدن.
وتعد المنطقة الجنوبية الغربية من اليمن بما فيها بلاد الجند والمعافر والكلاع نقطة جذب وتكدس بشري في القدم ، كونها مجمعاً لخطوط تلاقي ونزوحات داخلية.
وهي (المعافر) زاوية علاقة اليمن بالجانب الشرقي لإفريقيا، تلك العلاقة الإستراتيجية التي ظلت حتى العصر الحديث. ومنذ امتداد الدولة السبئية إلى الحبشة ومنها يتم التوجه في اتجاه الحبشة والقرن الإفريقي ، لذا استمر نفوذهم على البحر الأحمر حتى نهاية القرن الأول بعد الميلاد.
وكانت تعتبر النافذة البحرية الهامة مع العالم الخارجي لليمن، ما مثل اندماج النظام الاقتصادي مع العالم الخارجي عن طريق البحر عبر التاريخ اليمني القديم حيث ربطت اليمن بكل من شرق إفريقيا وجنوب البحر المتوسط بطرق التجارة العالمية آن ذاك. واستمرت سيطرة المعافر على الساحل الإفريقي بالرغم من تبعيتها أحيانا لمملكة سبأ وذي ريدان.
وقد امتدت دولة المعافر منذ ما يقارب من 1300سنة، أي منذ بداية الألف الأول قبل الميلاد وحتى نهايته، مرورا بالقرنيين الخامس والسادس الميلادي
المعافر في عصر الدويلات:
بظهور الدعوة الإسلامية في مكة، وجهود الرسول عليه الصلاة والسلام المبذولة في نشرها وبأساليب مختلفة، كان أحدها توجيه الرسائل للملوك في بعض المناطق ومنها توجيه رسائل إلى أقيال اليمن وملوك حمير. ففي رسالته إلى أهل اليمن والتي كانت موجهة للملوك الحميريين، والمقصود بهم الأقيال الذين ورثوا السيطرة على المناطق الجنوبية الغربية من اليمن -الممتدة من مشارف صنعاء شمالا حتى مشارف عدن جنوبا ومن يافع شرقا إلى تهامة غربا- وكانت تعز بمثابة القلب لها.. ففي رسالة الرسول (ص) إلى أبناء عبد كلال ذكر في مقدمتها من محمد رسول الله إلى شرحبيل ابن عبد كلال والحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال قيل ذي رعين والمعافر وهمدان..’’، كما أرسل رسالة أخرى إلى باذان والي صنعاء.
وهذا دليل على أن الرسول راسل أهل اليمن باعتبارها مخاليف مستقلة، وهي دلالة بأن اليمن دخل نظام المخاليف كنظام متبع لإدارة شئون المناطق منذ وقت مبكر، ونشأة الدولة في اليمن واستمرارها كان على هذا الأساس، وأن الرسول (ص) تعامل معهم وفقا لهذا النظام.
لذا جعل من مخلاف الجند مقراً لمعاذ بن جبل مبعوثه إلى أهل اليمن، في الوقت الذي أرسل إلى حضرموت وإلى صنعاء و نجران رسلاً آخرين.
ويعد الصليحيون أول من بنى قلعة القاهرة المطلة على تعز (وعرفت بحصن تعز) كقلعة عسكرية، عندما قرروا بسط نفوذهم على أجزاء مختلفة من اليمن، فكانت القلعة مركز انطلاقهم في التوسع. إلا أن توران شاه الأيوبي (1174) بعد بسط نفوذه على اليمن قرر أن يتخذ من تعز مقرا له، لتوفر عدة شروط أهمها الصحية.
المعافر في التاريخ المعاصر:
خلال الفترات التي كانت الدولة في أوج قوتها كان نظام الأقاليم والاستقلال الإداري الذاتي هو النظام السائد، باستثناء المئة سنة الأخيرة من التاريخ المعاصر (1918-2011 ) كما أشرنا، وهي الفترة التي تعد أسوأ الفترات التي امتهنت فيها إنسانية الإنسان اليمني وساد فيها ثقافة الاستبداد والتسلط الجغرافي لمنطقة جغرافية من اليمن على بقية الأجزاء الجغرافية الأخرى، في نوع من التثبت الديني والادعاء بالحق الإلهي والمناطقية وصل في بعض منه إلى حد الطائفية والمناطقية الجغرافية للجزء مقابل الكل، الأمر الذي واجهت معه العديد من المناطق الجغرافية امتهاناً في الحق والواجب والثقافة اللهجة والفنون والعادات والتقاليد.. مقابل السعي لنشر ثقافة ولهجة وفن منطقة جغرافية صغيرة باعتبارها كل اليمن ولا تمثل ذلك الجزء الذي هي منه.
ويعد الإمام يحيى ومن بعده الإمام أحمد أكثر من كرس ونشر ثقافة الاستبداد والهيمنة وغرس الحق في الحكم لفئة محددة من الناس دون سواهم، حتى صار حقا إلهي وجغرافيا لمنطقة جغرافية دون سواها من الوطن اليمني. ومعه استبد بالآخرون فأصبح الحق الإلهي حقا جغرافيا استحوذ على السلطة والقوة والمال معا.. مقابل آخر بعيدا عن السلطة والقوة ويعيش على الكفاف مقابل الجهد.
وختاما:
إن طبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن كان متضمنا شكلا هرميا في إدارة الدولة تمثل في أن هذا الاستعراض التاريخي يدفعنا إلى القول أن اليمن لم تحكم قط عبر الإدارة المركزية سواء في الفترة المعاصرة، التي يمكن أن نعرفها بفترة الاستبداد (1918-2011) والتي بدأت مع خروج الأتراك من اليمن وتوزيع تركة الرجل المريض (تركيا) ومعها تسلم الإمام يحيى حميد الدين مهام إدارة الدولة في اليمن .
واعتبر الإمام يحيى أن أجزاء من أراضي اليمن مخالفة له بالمذهب (اعتبرها مارقة وخارجة عن دين محمد صلى الله عليه وسلم) وتعامل مع إب وتعز تعامل الفاتح وكرد فعل اعتبر من الضروري فتحها إسلاميا.
والله ولي الهداية والتوفيق،،،،

الجمعة، 18 مايو 2012


              نحو دولة مدنية متعددة الأقاليم                   





د.عبد الله معمر الحكيمي
 




الجمعة 18 مايو 2012 12:08 ص
 الثورة الشبابية الشعبية السلمية جعلت من اليمن تقف أمام خيارين أو مفترق طرق, إما أن يتقسم الوطن إلى عدة دويلات بعد حرب أهلية أو ان يحصل الجميع على حقوق مواطنة متساوية من خلال الدولة المدنية المتعددة الأقاليم, يتم فيها التوزيع العادل للمال والسلطة والإدارة, وهنا من الضروري علينا ان نضع كل قضايانا على الطاولة في مؤتمر الحوار الوطني القادم, ونتعامل معها وجميعها دون استثناء بشفافية عالية, وموضوعية, بعيدا عن التشنجات والاتهامات, فإذا كنا قد اعترفنا بوجود قضية جنوبية بعد ان سقط مئات من الشهداء والجرحى, واعترفنا بوجود قضية في صعدة بعد ان خضنا ست حروب طاحنة نجد من الضروري ان نعترف بأننا أمام قضية وطن لا تتجزأ قضيته بين الصمت واللاصمت, وان نعترف بأن لنا مناطق لا تزال صامته لها قضايا أيضا, وعلينا أن لا ننتظر حتى نسمع صوت السلاح لنعترف بأن لهذه المناطق قضية, بل ان نعلن الآن, ان لتعز قضية ولتهامة قضية وحضرموت, والصحراء... الخ . ففي هذا الاعتراف الآن سيكون الغد أفضل لنا جميعا قبل ان يصبح سوادا علينا جميعا.


ومن تلك القضايا .. الاعتراف بأن اليمن بعد 11فبراير2011م, لم تعد تلك اليمن التي كانت قبل 11 فبراير 2011م, فلا يمكن لحزب أو جماعة أو قبيلة أو منطقة جغرافية ان تدير أو تسيطر أو تحكم كل اليمن. سواء باسم الدين أو السلالة أو المذهب, بحق ديني أو الهي, أو جغرافي. وبالتالي فإن البحث عن صيغة أو آلية جديدة لعلاقة الدولة بالمواطن, أصبح ملحا ومطلبا هاما لتحقيق المواطنة المتساوية لجميع ابناء الوطن, وان آلية الاستبداد يجب أن تتغير كليا وتتجه نحو بناء نوع جديد من العلاقة, تختلف تماما عن تلك الآلية التي فرضت منذ العام 1918م وحتى الآن, والتي لم تحقق المواطنة المتساوية, وكانت سببا في توسع الشرخ الاجتماعي والميل إلى الدفع نحو تنمية ثقافة الاستبداد الجغرافي ضد الآخر, باتباع عدة أساليب مساعدة منها ما هو ثقافي ومنها ما هو سلوكي(عملي) كلها تسير في اتجاه فرض الثقافة الاستبدادية والتوسع في نشرها حتى كادت ان تصبح عامة وضمن المكونات الثقافية لعموم المجتمع اليمني.


إننا نتجه إلى ان يحصل اليمني على حقه في المواطنة لانتمائه لليمن فقط, وليس لولائه لمذهب أو منطقة أو حزب أو قبيلة, وإنما لأنه مكتسب الجنسية اليمنية بالانتماء إلى اليمن.

لقد كنا ولا نزال في وطن يتسع للجميع, لكن ثقافة الاستبداد والهيمنة والاستحواذ جعلت من هذا الوطن يضيق على الجميع حتى على دعاة تلك الثقافة كونها لا تستجيب لتحقيق المواطنة المتساوية للجميع في إطار من الدولة المركزية لأسباب متعددة .. أهمها:
من الضروري ان تكون الدولة المركزية قوية لدرجة الاستبداد, كونها بحاجة لقبضة قوية تفرض من المركز على المحيط أو الأطراف وهو ما يتنافى مع المواطنة المتساوية لجميع أبناء الوطن.
من شروط المواطنة توفر قدر واسع من الديمقراطية الحقيقية, وهو ما يتعارض مع الاستبداد, والدولة المركزية, وبالتالي تميل الدولة المركزية إلى التقليل من مساحة الديمقراطية الممنوحة للمواطنين وفق رؤى من يحكم وأجندته.
في الدولة المركزية يميل الحاكم إلى تعيين الو لاءات بدلا من الكفاءات, ما يسلب المواطن مواطنته المتساوية مع الاخر ويفرض عليه من يديره لا من يخدمه ويحقق مصالحه. ما يجعل الطاعة واجبه عليه كرها لا حبا.

والمجتمع اليمني من المجتمعات اللامتجانسة على الصعيد التنموي, والمستوى الصحي, وبنسب متفاوتة من منطقة إلى اخرى.
اذ يوجد تمايز في مستوى التعليم بين المحافظات حاليا, فكلما زادت نسبة التعليم في المحافظة كلما قلت نسبة الأمية بها. كما يوجد تفاوت بين المحافظات المختلفة في المستوى الثقافي والولوج نحو المدنية والتحضر, فالمجتمع اليمني المعاصر مجتمع غير متجانس في:
التعليم
التحضر والمدنية
احترام القانون
سيادة العرف
تحكم القبيلة في الأفراد (شدة تماسك البناء القبلي).
وكلها عوامل متدخلة ومؤثرة في الاستجابة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية الأمر الذي ينعكس في وجود تفاوت ثقافي مدني بين كل منطقة واخرى, ودرجة الاستجابة لعمليات التطور الاجتماعي ما ينعكس على بنية المجتمع والتي تبدو مزدوجة الأنماط والثقافة مابين التقليدية والحديثة ومنها ما هو بين الاثنين أي لا تزال في حالة من التخلق والتبلور ولم تنضج معالمها بعد.
ما يجعل النظام المركزي اشد خطورة على وحدة وسلامة اليمن، فالتفاوت الواضح في كل من مستوى التعليم, والزيادة السكانية المتسارعة في اليمن, وعدم القدرة على إيجاد وتيرة متسارعة في التنمية الاجتماعية الاقتصادية, وتنامي وتيرة وأساليب الفساد, أمام شحه الموارد ستجعل اليمن تعاني من مشكلات مستقبلية اشد تعقيدا, ومنها الشعور بالظلم, وعدم المواطنة المتساوية. ما يمكن ان يؤدي إلى حروب أهلية لا حل لها إلا بالفدرالية, حتى لا تتحمل الدولة المركزية عبء ذلك كله مستقبلا, ويفتت الوطن.
فعدن ـ مثلاـ نجد لديها ارتفاع في درجة المدنية والتحضر, وتأتي بعدها تعز وحضرموت والحديدة .... الخ مقابل مناطق اخرى تنخفض بها وهذا يجعل أي نظام مركزي قائم عائقا أمام تطور المجتمع المعتمد على المنافسة بين الأقاليم, وليس المقدم من الدولة المركزية القائمة حاليا, التي لم تحقق شيئا حتى الآن ما يتطلب منا البحث عن آلية جديدة, نعتقد توفرها في المنافسة.
إن نظام الاقاليم الاتحادية يمكنه ان يوجد التنافس بين الأقاليم وبعضها بالاعتماد على التقسيم إلى أقاليم اتحادية, في ظل الوحدة العامة للوطن اليمني (دولة مدنية اتحادية) نرى انه السبيل الوحيد لرفع درجة التنمية الاجتماعية والنهوض بالمجتمع وفق المعايير التنافسية التالية:
أولها: الأقاليم التي لديها درجة النمو والتطور مرتفع ستسعى إلى تنظيم نفسها أكثر والرفع من شأنها بينما الأقاليم التي تعاني من تدني مستوى النمو لديها ستحاول العمل بوتيرة عالية لتلحق بمن سبقها من الأقاليم.
ثانيا: سنعمل من خلال ذلك على تنمية الشعور بالذات لدى أفراد تلك الأقاليم التي تعاني من تدني درجة النمو والاعتزاز بقدراتها عندما يسهمون في تطوير وتنمية إقليمها, اي ان الشراكة المجتمعية ستكون بدرجة اكبر. ما سيحقق لها فرصاً أكثر ونمواً أسرع.
ثالثا: في حال الدولة المركزية نجد الفشل في عملية التنمية يتحمل مسئوليته الاخر, وهنا تتحول الدولة إلى شماعة تعلق عليها الأخطاء.
 أما الأقاليم الاتحادية فإن الفشل يعود على طبيعة وشكل الشراكة المجتمعية في الإقليم, اي إن الإقليم هو من يتحمل مسئولية الفشل كونه المسئول عن النجاح أيضا, ما سيمكنها من العمل بوتيرة عالية لتحقيق ذاتها ومنافسة الأقاليم الاخرى.

وبالعودة أيضا إلى التاريخ اليمني القديم نجد ان الدولة السبئية والحميرية وما تلاهما باعتبارهما الشكل التنظيمي الإداري والسياسي الأقدم في التاريخ وصل إلينا وتعرفنا إليه بحسب مصادر التاريخ والتي توضح ان اليمن لم تحكم قط عبر الإدارة المركزية سوى في الفترة المعاصرة, والذي يمكن ان نعرفها بفترة الاستبداد (1918-2011) والتي بدأت مع خروج الأتراك من اليمن وتوزيع تركة الرجل المريض (تركيا) ومعها تسلم الإمام يحيى حميد الدين مهام إدارة الدولة في اليمن, لاسيما تلك المناطق التي لم تدخل ضمن إدارة الإمام يحيى بموجب اتفاقية صلح دعان 1911م, بين الإمام والأتراك, والذي جاء في مضمونها اعتراف الدولة التركية للإمام بالسيادة الروحية على المناطق التي تخضع للمذهب الزيدي, أو لنقل ان الأتراك اعترفوا للإمام بموجب اتفاق دعان بالإدارة الذاتية للمناطق المشمولة بالاتفاق. وهذا دليل على ان اليمن لم تحكم مركزيا بشكل قطعي قبل 1918م, وإنما خضعت لما يعرف حاليا بنظام الحكم المحلي, أو الأقاليم الفيدرالية الاتحادية, وعبر تاريخها الطويل لما عرف باسم (المخاليف).
حتى وان كانت في بعض الفترات التاريخية تحكم جزئيا وفق النظام المركزي الا أنها لم تمثل حالة عامة وسائدة بل هي من طبيعة الشد والجذب بين كل من المركز والأطراف الذي ما يلبث وان تتغير وضعيته وآلياته إلى النظام المعروف بالمخاليف, أو ما يمكن ان نقول عليه نظام الأقاليم الاتحادية.. ان الفترات التي كانت الدولة في أوج قوتها كان نظام الأقاليم والاستقلال الذاتي هو النظام السائد باستثناء المئة سنة الأخيرة من التاريخ المعاصر (1918-2011 ) هي الفترة التي تعد أسوأ الفترات التي امتهنت فيها إنسانية الإنسان اليمني وساد فيها ثقافة الاستبداد والتسلط الجغرافي لمنطقة جغرافية من اليمن على بقية الأجزاء الجغرافية الاخرى في نوع من التثبت الديني والادعاء بالحق الإلهي والجغرافي وصل في بعض منه إلى حد الطائفية, والمناطقية الجغرافية للجزء مقابل الكل, الأمر الذي أوجد معه العديد من المناطق الجغرافية امتهاناً في الحق والواجب والثقافة واللهجة والفنون والعادات والتقاليد مقابل السعي لنشر ثقافة ولهجة وفن لمنطقة جغرافية صغيرة باعتبارها كل اليمن ولا تمثل ذلك الجزء الذي هي منه.
لكن سلطة الاستبداد في العصر الحديث جعلت من الإمام يحيى ومن بعده الإمام احمد أكثر من كرس ونشر ثقافة الاستبداد والهيمنة وغرس الحق في الحكم لفئة محددة من الناس دون سواهم حتى صار حقا إلهيا وجغرافيا لمنطقة جغرافية دون سواها من الوطن اليمني. ومعه استبد بالآخرين فأصبح الحق الإلهي حقا جغرافيا استحوذ على السلطة والقوة والمال معا. مقابل اخر بعيد عن السلطة والقوة ويعيش على الكفاف مقابل الجهد.

ويرى الدكتور محمود الشعبي: ان الإمام يحيى كان أول من عمل بناء دولة استبدادية تجمع بين السلطة (الدينية والسياسية) في اليمن بعد خروج الأتراك, بعد ان كان الأئمة قبله يعملون على بسط النفوذ الديني أو المذهبي في اليمن وإخضاع منهم من أتباع المذاهب الاخرى إلى اتباع المذهب الزيدي.
وذلك بوضع القواعد الأساسية لما يمكن ان يوصف بدولة يمنية جديدة يريدها نظام حكم مطلق مركزي باستثناء بعض أحكام القضاء الشرعي وجباية الأموال من الرعية فإن (الإمام الملك) لم يكن مهتما إلى حد كبير بفرض المذهب الزيدي على أصحاب المذاهب الاخرى بالقوة, وبذلك يكون الإمام قد ادخل نوعا جديدا من أساليب الحكم السياسي يختلف كليا عن أساليب الأئمة السابقين له, مؤسسا بذلك لسلطة سياسية دنيوية, بعد ان كانت دينية, وعزز ذلك بمنح ولاية العهد لابنه احمد من بعده مخالفا لشروط الإمامة الزيدية الهادوية في تولي الإمامة. وان كان قد ابقى على الحق الإلهي بتولي الحكم.
والتي بدأها بالخروج عن صلح دعان الذي يمنح الإمام يحيى السلطة الروحية على المناطق التي تدين بالمذهب الزيدي دون السلطة السياسية والإدارية. الا ان خروج الأتراك من اليمن عقب الحرب العالمية الأولى وتقسيم تركة الرجل المريض أو الفراغ السياسي والإداري في اليمن ما منح الإمام يحيى فرصة لتوسيع نفوذه إلى بقية مناطق اليمن ليس بهدف بسط النفوذ المذهبي وإنما السياسي والإداري ليؤسس لدولة دينة دنيوية (الإمام الملك).
ومع تولي مقاليد الأمور من قبل الإمام يحيى (1918) وجدت دولة الاستبداد المركزية في اليمن ولأول مرة في التاريخ ( يمكننا القول ذلك مجازا) والتي بثت معها ثقافة حامية وحافظة لها لا نزال نعاني منها في الجزء الشمالي من الجمهورية اليمنية, عكس ما كان يعرف بالمحافظات الجنوبية والتي ظلت تحت حكومات محلية عرفت بالسلطنات والمشيخات لتتوحد في دولة مركزية بعد الاستقلال عن الاستعمار الانجليزي 30 نوفمبر 1967م.
وختاما:


علينا ان نعرف أولا ان النظام الفدرالي بدولة اتحادية من الأنظمة التي تعمل بها ما يزيد عن 120 دولة في العالم كونه أنسب الأنظمة التي تحقق المواطنة المتساوية لكل أبناء الوطن الواحد, مع ملاحظة عدم وجود دولتين تتطابقان في الأخذ بتفاصيله.
ونحن نجد من الضروري ان يشمل تحديد الإقليم معايير عامة بحيث يوضع الاعتبارات التالية:
البعد التاريخي الخاص والعام بكل إقليم من الأقاليم, بمعنى تحول الإقليم في فترة تاريخية إلى مركز وبقية المناطق اليمنية إلى أقاليم في نطاق المركز والعكس.
الاستفادة من الحدود التاريخية لكل اقليم من الأقاليم, وأهمية ذلك لعوامل الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي.. العمل بوحدة الثقافة والفولكلور المتجانس لكل إقليم. . العمل على توفر الشروط الاقتصادية لكل إقليم بما يوفر إمكانيات العيش والنشاط الاقتصادي للأفراد, وبما يوجد تكافلاً بين مختلف الأقاليم, بحيث يوفر المصالح المشتركة للجميع.
ان يوضع في الاعتبار السمات الجيولوجية والطبيعية بحيث يوجد تجانس وتنوع في ذات الوقت لكل إقليم على حدة وبينه وبين الأقاليم الاخرى.
وضع في الاعتبار عدم نزوع أي إقليم نحو الانفصال وتكوين دولة مستقلة عن الدولة الاتحادية, لذلك من الضروري وضع معايير لا تسهل عمليات الانفصال, ولا تنمي الوازع نحو ذلك.. لذلك فإن تحديد عدد الأقاليم يجب ان تحدد أثناء العمليات الميدانية وفقا لتلك المعايير المحددة آنفا, فالمعايير هي التي ستحدد العدد الكلي للأقاليم, والذي نجد من الضروري ان تقوم بها لجان خبرات تتشكل وفقا لخلفية علمية (كعلماء الاقتصاد والاجتماع والثقافة الشعبية والفولكلور والجغرافيا والتاريخ والادب والحكم المحلي والسياسة والجيولوجيا ...الخ.. والله ولي الهداية والتوفيق.

الشكر والتقدير لكل الزملاء المساهمين في نقاش الرؤية الكاملة من هذا لمشروع.

* أستاذ علم الاجتماع جامعة صنعاء
muamer171@hotmail.com 



الأحد، 25 مارس 2012

ألا يكفي هذا الانحدار لإنقاذ جامعة صنعاء



ألا يكفي هذا الانحدار لإنقاذ جامعة صنعاء؟!!!

د/ عبد الله مُعـمــــر أستاذ علم الاجتماع

شيء محزن في النفس ومؤسف في آن واحد أن تكون أكاديميا تكرس قيماً في الوعي والمعرفة وفي ذات الوقت بلطجيا! ومؤسفٌ أن تتقمص أخلاق الأكاديميين وتسلك سلوك البلطجة! والمؤسف أكثر أن يحدث هذا في مؤسسة أكاديمية كجامعة صنعاء ومن قبل أولئك المتحذلقين ممن يدعون أنهم يستطيعون اللعب بالبيضة والحجر معا، ولا يخسرون في لعبتهم! والمؤسف بل والمخزي في آن معا أن تفشل في إدارة مؤسسة تربوية تعليمية أكاديمية فتحاول بالفهلوة ولعبة البيضة والحجر تقول أنه نجاح وليس فشلاً!! ولا نعترف أو نفرق بأن عبده الليل انزلق من حفرة القيم والأخلاق إلى هاوية الفهلوة وصار مهرجا في سرك أو ـ بلياتشوـ يضع مساحيق الألوان على رأسه وخده وفوق شفائفه تزين الابتسامات المجوفة، وفي سلوكه وأخلاقه سلوك منحدر إلى قاع الهاوية بثوب الأكاديميين!! والمؤسف جدا أنك لا تستطيع أن تدير خلافاتك في إدارتك وفي مؤسسة أكاديمية سوى بأسلوب واحد فقط هو أسلوب البلطجة لا سواه، متناسياً العمل الأكاديمي وأخلاقياته في إدارتك المقصورة على إدارة الجوانب المالية فقط، والفشل الأكاديمي المستمر في إدارة مؤسسة أكاديمية كجامعة صنعاء! نعم، يحدث هذا .. يحدث في مؤسسة أكاديمية انهارت فيها معايير القيم والأخلاق الأكاديمية بعد انهيار التعليم، وأصبح العلم بالقرطاسة بدلا من الكراسة.. مجرد شهادة تمنح لمن يدفع لخزينة غير خزينة الدولة وماليتها، بعد أن تعددت أسماء جبايات المال: نظام موازي، نظام تعليم عن بعد، أنشطة طلابية، غرامات امتحان، غرامات غياب، .... الخ.
بعد كل هذا.. ها هي قيم الانحدار تصل إلى صناع القيم الأكاديمية والتربوية، فأي مستقبل ينتظرنا وينتظر الأجيال القادمة، بعد أن صرنا أنموذجا لقيم فاسدة تكرس من الغوغائية أجملها والبلطجة أسلوبها، ومن الفهلوة مظهرها؟!!
في يوم الاثنين 6 مارس2012 تجمع عدد من الشباب أمام غرفة انعقاد اجتماع مجلس الجامعة، يهتفون ضد الأستاذ الدكتور/ حاتم الصباحي نائب رئيس جامعة صنعاء للدراسات العليا والبحث العلمي، بعد أن كانت قد حدثت قبلها بنصف ساعة مشادة كلامية بينه وبين رئيس الجامعة الدكتور خالد طميم أمام أعضاء مجلس الجامعة، أعلى هيئة تدير الجامعة، ايتهم فيها النائب (الرئيس) بإرسال أربعة مسلحين لتهديده في منزلة ليلا، بينما الرئيس ينكر ذلك أمام المجلس، ويؤكد الثاني صحة ادعائه ذاكرا أسماء المجموعة المتهمة بالتهجم ومرسلها. ما جعل مجلس الجامعة يقف أمام نوع مغاير من البلطجة المنظمة لا تشبه البلطجة ضد الساحات، ومغايرا أيضا لأسلوب عميد كلية الآداب الذي استهوى التدريس خارج الحرم الجامعي وأراد أن يظل بقية العام الدراسي في الجبل العالي (نقم) ناسيا أن البعض من أعضاء هيئة التدريس بكلية الآداب وخلال الترم الأول كاملا كانوا يقومون بواجبهم في مدرجات الكلية وليس في الجبل العالي! نعم.. ما حدث في مجلس الجامعة كان مختلفا، ما جعل المجلس الموقر يتعامل مع الأمر وفق القواعد القانونية والمعايير الأكاديمية ويتجه نحو تشكيل لجنة تحقيق في الأمر من بين أعضائه، لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد فما كاد مجلس الجامعة ينتهي من قراره بتشكيل لجنة التحقيق لتصدر من أحدهم في المجلس إشارة بتجمهر عدد من الشباب أمام بوابة المجلس تهدف لاستخدام العنف ضد النائب ومحاولة اقتحام غرفة الاجتماع! وبينما كان الحزن يخيم على المجلس كان البعض أرجوزاً ضاحكا من نشوة الانتصار يعتصر نخب ’’بلطجي آخر زمان بدرجة أكاديمي’’ في عصر الانهيار القيمي لجامعة صنعاء.. فسوء الإدارة هو من أوصل الأمر إلى هذا الحد من التردي والانحدار. ينفض الاجتماع ويحاط النائب بحراسة من بعض زملائه في المجلس وليس من الحرس الجامعي.
منذ 22 عاما وأعضاء هيئة التدريس بالجامعة يطالبون بالتأمين الصحي، ولا يزالون مستمرين في مطالبتهم.. وبالأمس القريب انتقل إلى رحمة الله الصديق والزميل الأستاذ الدكتور محمد باسلامة أستاذ الآثار اليمنية القديمة تخصص فنون، بجامعة صنعاء، إثر مرض لم يتمكن معه من الذهاب إلى الطبيب لعلاجه؛ لارتفاع التكلفة وعدم قدرته على ذلك، مع التزامه بسداد مديونية البنك، لتخسر اليمن والتاريخ والآثار اليمنية باحثا متميزا وعالما أثريا نادرا في تخصصه .. بسبب غياب التأمين الصحي لأعضاء هيئة التدريس بالجامعة. وقبله خسرت اليمن المئات من أعضاء هيئة التدريس وكوادرها النادرة لذات السبب.. كان الله في العون يا كوادر الآمة وعقلها المهمل! فأساتذة الجامعة والصحفيون والسياسيون هم الأكثر عرضة للأمراض الفجائية القاتلة من بين شرائح المجتمع بحسب نتائج دراسات علم الاجتماع الطبي.• 

فخامة الرئيس عبدربة منصور هادي رئيس الجمهورية: لأول مرة أن رئيس جمهورية في تاريخ اليمن الحديث والمعاصر يعزي بوفاة أكاديمي وأستاذ جامعي لا يتقلد منصبا سياسيا، بل أستاذ.. أستاذ فقط، يصل إلى عمله كل يوم على (دباب)! تلك التعزية في وفاة الدكتور محمد باسلامة جعلتنا أنا وزملائي نأمل في الغد الأفضل لليمن والأكاديميين في ظل قيادتكم.. شكرا سيدي الرئيس.

وفي الوقت الذي كنت أهم بإرسال المقالة إلى الصحيفة يصدر من الهاتف صوت أجهش، ليقول المتحدث: البقية في حياتك! انتقل إلى رحمة الله الدكتور والصديق حمود القيري أستاذ الأدب العربي بكلية الآداب... والبقية تأتي.. والتأمين الصحي لم يأت بعد !!



السبت، 17 مارس 2012

من الضروري الاعتراف بأن لنا قضايا وطنية!!


من الضروري الاعتراف بأن لنا قضايا وطنية   !!

د/ عبد الله مُعـمــر

هل يمكننا بناء دولة حقيقية؟ قد تكون الإجابة (نعم) وقد تكون الإجابة (لا) ... وأياً كانت الإجابة فإننا نقف حاليا بمفترق طرق ربما تكون أشد صعوبة من الفترة التي عاشتها اليمن بعد ثورة 1962 والصراع الملكي الجمهوري، تلك الفترة التي جعلت من دول المنطقة والعالم تصفي حساباتها على الأرض اليمنية، الأمر الذي جعلنا لا نتمكن من بناء دولة حقيقية وذات سيادة.
وها نحن نعيد الكرة من جديد الآن.. يثور الشعب على حاكم مستبد بحثا عن دولة مواطنة؛ فهل نحن قادرون على بناء دولة -حسب طموحات اليمنيين- وتحقيق أهداف الثورة الشبابية؟ يبدو أن النية متوفرة حاليا لدى الجميع كفكرة في الذهن علينا تحويلها إلى موضوع أو تطبيق. أعتقد أن هناك مخاطر عدة، ونحن بحاجة إلى مكاشفة مع الذات أولا.
فالعديد من دول الجوار ترى في اليمن خطرا عليها منذ أمد بعيد، وفي بناء دولة حديثة أكثر خطورة، وهي تسعى بهذا إلى أن تلعب دورا في كل الأحداث اليمنية حتى في وقت السلم.. ولا يكاد مالها يجف من أيدي البعض مطلقا، ليعود من جديد! مثل هذه الدول هل يمكن لها أن تسمح ببناء دولة مؤسسات يمنية ناجحة؟!
ونجد في القبيلة وضعا يقف ضد بناء الدولة ومنذ أمد بعيد... فالقبيلة كانت ترى في بناء الدولة أمراً ليس في صالحها. ولا يحقق ويرعى مصالحها.
وفي سبيل بناء دولة حقيقية فإن عليها التخلي عن تلك المصالح، بما في ذلك التخلي عن الارتباطات الخارجية والارتهان مع الخارج أيا كان، والالتفات نحو المصالح المشتركة لجميع اليمنيين.
ذاك متروك للمرحلة القادمة لتبين مصداقية القول والسلوك. وإن كنت أرى في أحاديث الشيخ صادق الأحمر المتكررة عبر وسائل الإعلام أثناء ثورة الشباب الشعبية، حول الدولة المدنية المستقبلية، حافزاً إيجابيا ويبشّر برغبة صادقة في بناء دولة تقوم على أسس مدنية من أهمها الممارسة الديمقراطية الكاملة، والفصل بين السلطات وسيادة القانون، والمشاركة في السلطة والثروة. ما يعني أن امتيازات أي قبيلة، والتي تميزها عن بقية القبائل الأخرى أو تمنح أفرادها مكانة أرفع في ممارسة السلطة وامتلاك الثروة دون بقية القبائل أو الأفراد من خارج القبيلة، ستتخلى عنها في الدولة المدنية، من أجل الكل -أي كل اليمن- وهنا يظهر الفعل الإيجابي من أجل تأسيس الدولة المستقبلية التي تذوب فيها المصالح الذاتية في سبيل المصلحة الجماعية. كما وجدت في حديث اللواء عبد الله القشيبي في قناة سهيل، حول هيكلة الجيش والأمن أثناء الثورة الشبابية الشعبية، والذي كان حديثا مبشراً في أن هيكلة القوات المسلحة والأمن ستقوم على أسس الدولة المدنية والتي ستتحول معها إلى مؤسسة وطنية مهمتها الدفاع عن الوطن والشعب، بعيدا عن التدخل بالسياسة.... فهل سيسير الأمر على هذا النحو...؟ ذاك متروك للأيام القادمة فهي الكفيلة بصدق النوايا من عدمها!!
فالكثير من الامتيازات الخاصة (مثلا) للمؤسسة العسكرية ستلغى في الدولة المدنية ... فهل سيسير الأمر بهذا الاتجاه ...؟ إنه متروك للزمن!!
ولا ننسي أن ثقافة الاستبداد وبناء الدولة نقيضان؛ فتفكيك ثقافة الاستبداد ونشر ثقافة التسامح والتصالح والمواطنة المتساوية هو الشعور الذي يجعل من جزء من مواطني الوطن يتعامل مع الجزء الآخر بمنطق الفـيد والأنانية والسخرة المتربصة بالغير.. وفي منطق المثل الشعبي (جمل يعصر وجمل يأكل عصار). وهنا نجد من الضروري أن نعلم أن بناء الدولة يتطلب التخلي عن هذه الثقافة لصالح بناء الدولة للجميع، بعيدا عن ’’حاكم ومحكوم’’ أو اعتماد المنطق الجغرافي في ذلك الاستحواذ على السلطة والثروة، وإدارة شؤون البلاد بفرض الأمر الواقع، أو الغالب والمغلوب، السجين والسجان! إن من أسس الدولة المدنية التخلي عن مثل هذه الثقافة قولا وفعلا، بحيث لا يبقي من يشعر بالغبن في إطار الوطن الواحد. لكن جدلية المحيط والمركز تلعب أحيانا دورا في عملية تأخر بناء الدولة الحديثة في بعض المجتمعات.. فللمكون الجغرافي في جدلية المحيط والمركز دور في فرض عملية الاستبداد والسيطرة؛ فكلما كان المركز شديداً في مركزيته يفرز مفاهيم للاستبداد ويزيدها عتوا ونفورا في فرض الوصايا على المحيط. لكن ثقافة الاستبداد تتفكك عندما نقر بأن للآخر حقاً مثل مالنا من حق.. عندما نشعر أن الفئات الهامشية أو الأقليات المهمشة داخل المجتمع لها من الأهمية في بناء الوطن مثل ما لغيرها من أبناء الوطن الواحد.
إن الدولة المدنية تضمن حقوق الأقليات وتضمن لها مواطنة متساوية مع الأغلبية، حق الانتماء إلى الوطن اليمني، فهذا هو المعيار في الحقوق والواجبات وأساس في المواطنة، وليس الغلبة العددية أو الجغرافية المناطقية أو القبلية أو القرب والبعد من السلطة وجماعة النفوذ؛ ففي الدولة المدنية تنتهي كل الامتيازات الفئوية أو الجغرافية أو غيرها.
إن أردنا حقا بناء دولة مدنية فعلينا التعامل مع كل القضايا الوطنية التي تهدد الوطن والسلم الاجتماعي؛ فالاعتراف بوجود قضية جنوبية وقضية في صعدة أمر غير كافٍ لمعالجة الوضع الداخلي، بل سيكون بمثابة ترميم للتصدع في نسيجنا الاجتماعي فقط. إن أردنا فعلا تحقيق المواطنة المتساوية علينا الاعتراف أولا بوجود قضية وطن بأكمله؛ فقضية صعدة والجنوب (مع اعترافنا بخصوصيتها) تساوي قضية تعز المنسية والمتجاهلة منذ 1918م، وتهامة والصحراء (مأرب والجوف، والمهرة، وشبوة، وحضرموت.. الخ) إنها قضية مواطنة متساوية، قضية أو قضايا حقوق وواجبات، قضية انتماء ليمن واحد يتساوى فيه كل أبناء الوطن الواحد.
إن عدم فتح هذه الملفات في مؤتمر الحوار الوطني يعني تجاهلاً صارخاً وفاضحاً لمطالب المجتمع بمواطنة متساوية تجاهلها السابقون على مدى قرن من الزمن.

الجمعة، 9 مارس 2012

رسالة من بيروت لشباب الساحات في اليمن

رسالة من بيروت لشباب الساحات
في اليمن

                                                        

في زيارتي الأخيرة لبيروت العربية التقيت الأستاذة الدكتورة مارلين نصر المفكرة والباحثة والمثقفة السياسية اللبنانية مؤلفة كتاب (صورة العرب والإسلام في الكتب المدرسية الفرنسية) وغيرها من الكتابات والأبحاث الاخرى التي تجعلها من القلة المتميزة من مفكري الوطن العربي. وفجأة تنهال علينا بالأسئلة  والتعليقات عن اليمن وثورة الشباب الشعبية السلمية, كما هي عادة الباحث السياسي الذي يري الواقع بعين تحليلية فاحصة فإنها رأت في الثورة الحالية في اليمن أعظم ثورة في الربيع العربي لما يكتنفها من تعقيدات وتدخلات متناقضة بل ومن تآمر عليها, حمل مضمون حديثها الخوف والقلق مع العظمة والإعجاب بشباب الساحات والشعب اليمني ودورهم البطولي الرائع وكان ضمن ما قالته:
... انتو الشعب اللي عنده سلاح في البيوت يخرج بثورة سلمية .. ادهشتوا العالم أجمع .. أد أيش انتو شعب عظيم.
... كنا عمنرقب الأخبار وإحنا خائفين عليكم .. خايفين عشباب اليمن أد أيش أنتم  عظماء....
... الشعب اليمني عظيم بإرادته وعزيمته وصموده
... لكن النساء كانوا أكثر .. النساء كانوا أعظم بكتير في اليمن
... كنا خائفين عليكم .. عمنسمع الأخبار وأيدينا على ألوبنا (قلوبنا)
... عرفنا حجم التأمر عليكم من العالم كله .. من الجزيرة كلها
... يا الله العالم كله كان ضدكم يتآمر عليكم
... عرفنا أد أيش اليمن مهمة لكل الدنيا
... نخاف عليكم الآن من التأمرات .. حجم التأمرات كبيرة عاليمن .
... انتبهوا ... نبهوا الشباب بكدة
**
مارلين وجهت رسالتها تلك للشباب ( الدور عليكم يا شباب حنا كبرنا). من بيروت الثقافة العربية.. بيروت القومية العربية .. والمشروع النهضوي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي, هي رسالة المثقف البيروتي واللبناني بمختلف طوائفهم هي رسالة من الفكر القومي والتقدمي العربي والمقاومة للشباب المعاصر.
وبينما كانت تحدثني انهمرت دموعها اللؤلولية بغزارة لتعانق القطرات المتساقطة من سماء بيروت لتغسل شوارعها النظيفة (أصلا) بينما كانت تلك الدموع تغسل روحي التي تحلق في سماء مكتبها الصغير في الدور الرابع في مركز دراسات الوحدة العربية وفي سماء بيروت الصمود الأسطوري.
مارلين نصر ... لم تكن دموعها تلك دموع حزن .. ولا دموع فرح, لكنها كانت دموع العاشق المحب للحرية في المكان البعيد المتأبط لها حبا وخيرا وسلاما , المخلص في مشاعره وصدق عواطفه, النبيل في فكره وتفكيره.
كانت تلك روح وفكر المثقف العربي .. والسياسي البيروتي, والمناضل العربي دعاة وعشاق الوحدة والحرية العربية , مفكري ومناضلي ثورة الشعوب العربية وتحررها منذ أربعينيات القرن الماضي والربيع العربي الحالي, تلك هي رسالة بيروت رسالة العرب رجال الفكر العربي لشباب الساحات في اليمن, ساحات الحرية والتغيير في اليمن, تدل على عظمة الحدث وإعجاب العالم به الممتزج بالخوف من حجم التآمرات (كبيرة) على الوطن اليمني الحالم بحرية وغد أفضل. فهل انتم واعون لتلك المخاطر التي قد تحدق بثورتكم وبلدكم.. بل بربيع العمر لديكم أيها الشباب؟؟.
مارلين قد تكون لبنانية الوطن لكنها عروبية الأصل والانتماء, وقد تكون مسيحية الديانة أو مسلمة أو لكنها عروبية الأصل والانتماء عاشقة لحرية الشعوب تواقة إلى إنعتاق الوطن اليمني من الليل إلى نور الفجر.
مارلين أو الدكتورة مارلين هي مديرة الدراسات في مركز دراسات الوحدة العربية, وأن جميع الدراسات والأبحاث المنشورة عن المركز مرت من تحت يدها, وان كل الدراسات والأبحاث التي يريد أصحابها نشرها بالمركز لابد وان تمر عليها, وان كل ما يرشح للنشر يكون لها رأي فيه, ما يعني أن لها من النضج وحجم الفكر والتفكير ما ليس لغيرها وأن حديثها لشباب الساحات في اليمن انطلق من شيئين : أولهما الإدراك الكامل بكل ما تفوهت به والمعرفة الفكرية الكاملة والواعية به. وثانيا: إن إعجابا وحبا بشباب الساحات في اليمن شكل آنموذجا خاصا في ثورات الربيع العربي يختلف في الكثير من ملامحه عن ثورة تونس ومصر وليبيا, وهو آنموذجا تفرد به شباب اليمن بقدر تفرد موقعها الجغرافي, وثالثا وجود نوعا من الانتماء للجذور يشد إلى الأصل الأول ... لاسيما اذا عرفنا أن العديد من الأسر اللبنانية المختلفة سواء كانت (مسيحية أو درزية, أو مسلمة) تتجذر بالانتماء إلى أصول يمنية, وهذا ما لوحظ من مقدار الحب والعاطفة لتلك المفكرة اللبنانية التي أمطرت خدها  بلؤلو من بلور غسلت بها معاناة شبابنا في الساحات في اليمن على مدى عام كامل.
عندما تساقطت دموع مارلين جعلت مني ومن مرافقي الدكتور عبد الملك عيسي كوما من المشاعر التي شدتنا إليها لنجد من أنفسنا أناس أخرون ينظر إلينا من قبل الغير نستحق أن نرفع رؤوسنا عاليا , نعتز بانتمائنا لمكون جغرافي وديمجرافي اسمه اليمن. وان هذا الإعجاب منها بثورتنا السلمية إنما هو إعجاب بنموذج فريد من الثورات استطاع الشباب أن يقدمها بصورة مذهلة للجميع.
باسمكم انحنيت أمامها احتراما وتقديرا لمشاعرها الجياشة والصادقة تجاه اليمن وشبابها وثورتهم, شكرتها وقبلت يدها ووعدتها بأن تصل رسالتها إلى الشباب.
وأحسست أن الأمانة لا تزال ثقيلة وان المستقبل لا يزال بحاجة إلى الجهد من الجميع.
بينما واصلت هي مشوارها في السفر إلى تونس للحديث مع شباب اخرين في مؤتمر حول : الثورة الديمقراطية في الوطن العربي ـ نحو خطة طريق .. والمقصود هنا تلمس طريق للثورة التونسية, عدت أنا لأضع الأمانة أمامكم.
 www.alwasat-ye.net/index.php?action=showDetails&id.

الاثنين، 13 فبراير 2012

انهيار قيمي في جامعة صنعاء


انهيار قيمي في جامعة صنعاء


د/ عبد الله مُعـمــر الحكيمي
أستاذ علم الاجتماع المشارك- كلية الآداب- جامعة صنعاء

كان للقرعة دور في تحديد الوزارات وإسناد التعليم العالي والبحث العلمي للمؤتمر الشعبي وصارت من نصيب الأستاذ الدكتور يحيى الشعيبي، والذي كان وزيرا سابقا لها، وهو أستاذ أكاديمي متمكن علميا وإداريا أيضا، لاسيما عندما كان محافظا لمحافظة عدن، والذي يرى العديد أنه قاد ثورة حقيقية في المحافظة بتلك الإجراءات والإصلاحات الإدارية والخدمية وأيضا في العديد من المشاريع التي استطاعت المحافظة أن تحصل عليها، ما ترك له ذكرى طيبة عند جميع أبناء المحافظة ، وكل من زارها.
وحيث وقد تم تعيين الدكتور يحيى الشعيبي وزيراً للتعليم العالي، وبما أننا نعيش حاليا في القرن الواحد والعشرين، ونعيش مرحلة ثورية شبابية شعبية تعم كل أنحاء اليمن، والتي قامت ضد الظلم والطغيان والفساد، وتطالب بالتغيير الشامل وفي كل المجالات، بما في ذلك المجال التعليمي والتربوي، وكذا الأكاديمي.. وأًذكر هنا أن ساحات التغيير والحرية دفعت ما يزيد عن ألف شهيد وأكثر من 22 ألف جريح هم خيرة شباب اليمن بحثا عن مستقبل أفضل لهؤلاء الشباب وأبنائهم، ومن ضمن ذلك المستقبل الأكاديمي أوالتعليم الجامعي والبحث العلمي.. وهنا أنوه إلى أن التركة في التعليم الجامعي ثقيلة إلى الحد الذي لا يمكن وصفه... وسأذكر جانباً منها من خلال نموذجية جامعة صنعاء ـ والتي وصلت من التردي والسيطرة للفساد فيها ما لا يمكن احتماله- وأشدد على جامعة صنعاء بحكم أني أستاذ بها، والوزير كذلك.

• فما يعرف بـ’’النظام الموازي’’ فساد مشرع له بحاجة إلى التعامل معه بموضوعية؛ فالجباية عبر التاريخ البشري بكل أشكالها وأنواعها لا تساوي شيئاً أمام هذا النوع من التعليم. ويكفي أن نشير للتذكير فقط أن هذا النوع من التعليم يخالف المادة (54) في الدستور اليمني النافذ حاليا في الجمهورية اليمنية والتي تنص على أن التعليم حق للمواطنين جميعا تكفله الدولة....
ناهيك عن الطريقة التي يدفع بها الطالب وتصرف بها تلك المبالغ، والتي تفوق المليار ونصف المليار ريال يمني سنويا للعام الدراسي، وخارج الأطر المحاسبية المعروفة، والرقابة المالية والإدارية..
أمام معامل متردية ومكتبات عقيمة، وأستاذ جامعي يهان بمبلغ 500 ريال على الرأس (الطالب) في الترم الواحد، ولا يحصل عليها إلا فيما ندر.
أما الطامة الكبرى فما يعرف بـ ’’التعليم عن بُعد’’ والذي هو عبارة عن شهادات مزورة بالقانون، ما عمل على انبعاث ريحات غير محببة .... عن الجامعة ومنها، وصلت مداها إلى خارج الحدود اليمنية لتتحول شهادات جامعة صنعاء الى شهادات مشكوك في أمرها في الدول المجاورة بسبب (سوبر ماركت ) التعليم عن بعد، والذي أبسط ما ينقصه المؤهل الخاص بالطالب قبل الدخول إلى الجامعة ـ أي الثانوية العامة ـ وعدم وجود نسخة من ملفات الطلاب في الكليات التي ينتسبون اليها، وكذا كشوف النتائج المرحلية لكل عام من سنوات النجاح، ناهيك عن الأقسام العلمية التي ينتسب إليها الطلاب وعدم معرفتها بأي بيانات عن الطلاب. وأحياناً قد يقوم أحدهم نتيجة لقربه من الإدارة بوضع الأسئلة وتصحيح الإجابات في القسم لجميع الطلاب وفي جميع المراحل، إذا رفض البعض من أساتذة القسم التعامل مع هذا النوع من التعليم.
وهذا يقودنا إلى فداحة وسعة حجم المشكلة من هذا النوع من التعليم، الذي يمتهن العلم وأخلاقياته وقيم التعليم الجامعي والأكاديمي، إلى الدرجة التي تجعلنا نتساءل: ما المصلحة من كل هذا ؟ ومن المستفيد؟ وإن وجدت الفائدة العامة من أي نوع كان فلماذا لا تأخذ العملية شكلها الصحيح؟ كما هو موجود في الجامعات العالمية التي وازنت بين كل من المصلحة العامة والقيم الأكاديمية!!
أما الفساد الذي رافق عملية التدريس في الأيام القليلة الماضية في مبانٍ خارج الحرم الجامعي، من صرفيات مهولة، يتطلب من الجميع متابعة تلك الأموال وأين ذهبت.. ويكفي أن أشير إلى أن أحد عمداء الكليات قام بالاستغناء عن عدد من موظفي كليته لأنهم طالبوا بحقهم من مكافأة النقل، مدعيا أنه العميد... والمكافأة له وليس لغيره من الموظفين! أما مهزلة المكان والخيام فهذا شيء آخر مضاف لما يحدث من فساد منظم في جامعة صنعاء أصبح ينخر عظامها نخرا شديدا، وأذكر هنا أن مجلس الجامعة عقد اجتماعه يوم 9 يناير 2012م بمطعم فاخر في حي حدة أسوة بالمجالس السابقة والتي عقدت اجتماعاتها ما بين الفلل والشقق والمطاعم والفنادق... الخ، في الوقت الذي تفرض علينا القيم الأكاديمية عقد مجلس الجامعة بالحرم الجامعي لتستمد القرارات الصادرة عنه حرمتها ومتانتها من القوة في التنفيذ.

• وكما هي قاعدة دائما من حيث الأهمية في المنظومة القيمية للجامعة، والتي يتبناها أعضاء هيئة التدريس ونقابتهم، إصلاح التعليم الجامعي ومكافحة الفساد ـ داخل أروقة الجامعة ــ وهما العمليتان المؤثرتان في رفع مستوى وكفاءة الطالب... فإصلاح العملية التعليمية سيمكننا من الإبداع وليس من النهوض بالمجتمع اليمني فقط، وهو ما يمثل هاجسا مسيطرا على سلوك أعضاء هيئة التدريس بالجامعة. فالتعليم بالطريقة التي تراها جامعة صنعاء حاليا يدل على أن العقلية التي تدير الجامعة حاليا لم تتجاوز بعد إدارة الكتَّاب (المعلامة) كونها تتجاهل أبسط الأسس والمعايير للتدريس الجامعي والمتمثل في المكتبة العامة والمعمل الجامعي والقاعة المناسبة للإلقاء، وجهاز الحاسوب باعتباره معملاً تدريبياً.. وكان الأجدى بدلا من إنفاق أكثر من 3 مليار ونصف في الخيم أن نذهب إلى أشجار حديقة الثورة، حيث لا يوجد فارق كبير بين معلامة الأمس ومعلامة اليوم في الصورة النمطية لدى من يدير الجامعة!
سأل شارل ديجول عندما أبلغ أن الفساد عم البلاد الفرنسية: هل وصل إلى الجامعات؟ قيل له: لا، لم يصل بعد إلى الجامعات.. فشكر الرب على ذلك. فأين نحن من ذلك في جامعة صنعاء ومن هذه المقولة؟ اللهم لطفك!!
إن التلازم بين الفساد والتعليم كتلازم اللحم والعظم في الكائن الحي، لا يمكننا فصلهما بأي حال من الأحوال.

• إن الخمس السنوات الأخيرة من تاريخ الجامعة جعلت منها مصدرا لانهيار القيم الأكاديمية والتخلي عنها ببساطة، بل وصدرت منها للجامعات اليمنية الأخرى.. وهي القيم الأكاديمية التي ظل يحافظ عليها العديد من رؤساء الجامعة السابقين، حتى وإن اختلف معهم البعض من أعضاء هيئة التدريس.
فالأستاذ الجامعي سعت الإدارة الحالية وبكل الوسائل إلى التقليل من مكانته أكاديمياً، عبر تقليل فرص التواصل مع الآخر، واكتسابه المعارف الجديدة أولا. فالندوات والمؤتمرات العلمية انخفضت إلى الدرجة التي لم تعد تذكر، لاسيما تلك التي لا تمجد النظام والسلطة وتنتمي إلى المبادرة العلمية والفائدة المعرفية الحقة، وإن حدثت فإن ظلما قادما لأعضاء هيئة التدريس المشاركين في ذلك الحدث ـ كما حدث للجغرافيين الذين عقدوا مؤتمرهم العلمي في ديسمبر 2010م، وجعلهم يلهثون خلف المستحقات ـ ينتظرهم عبر أساليب ووسائل متعددة، هي في حقيقة الأمر امتهان واضح للعلم والمعرفة وتجديد المعلومات بل وإنسانية وآدمية الأستاذ الجامعي.. كأن يظل أشهراً وسنوات يبحث عن مقابل جهده ومجهوده، بالرغم من شحته وضعفه لا يصل إليه في أغالب الأحيان، بينما بدل السفر الخاص بالبعض من النخبة الإدارية في الجامعة تصرف قبل أن يتم السفر بل وقبل النية في السفر ذاته، حتى وإن كان سفرا لحضور مؤتمر عن الذرة والفيزياء النووية أو مؤتمر عن علوم الفضاء والأطباق الطائرة لشخص يعمل في الحسابات أو مديرا للمكتب! أو حتى أستاذا بكلية الآداب ويعمل في الإدارة أو أستاذا للفقه أو القانون ... فالقصد هو بدل السفر وليس الفائدة العلمية والمعرفية للمسافر! حتى أن شركة بوينج وإيرباص أعلنتا عن توصلهما لتقنية جديدة وعالية الدقة والكفاءة لنقل رئيس الجامعة من طائرة عائدة إلى الوطن إلى أخرى ذاهبة دون أن تلامس قدماه أرض المطار، لتخفف عنه عناء حضور مؤتمرات في تخصصات عدة تعني بالأدب الجاهلي وتنتهي بعمليات ـ استشعار الشيء الغير موجود ـ واكتشاف البؤرة المظلمة في الفضاء الكوني! وكذا اتاحة المزيد من فرص مصادرة الدعوات العلمية لأعضاء هيئة التدريس في مختلف الكليات والتخصصات. 

• غير أن أشد الانهيارات القيمية، هي تلك السلوكيات التي يمارسها البعض من القيادات الإدارية والأكاديمية، وما يدور همسا ويطبق سلوكا لأساليب رفضت من قبل عوام شعبنا اليمني وليس الفئة الأكاديمية، التي أصبحت ترى في تبنيها للسلوك المناطقي- قولا وفعلا- حقلا خصبا لسلوك منبوذ ظناً بأن ذلك هو الطريق الأمثل والأسرع للصعود نحو العلو.
ففلسفة الصعود والتسلق الوظيفي أصبح: ادعمنا.. أنا من منطقة (....) والآخرين من منطقة (....)! وكذا الهمس بكل المفاهيم المناطقية والعنصرية ضد ذلك الآخر وأنه سبب في فشله وإفشاله بل ويسعي إلى إفشاله، حتى في عدم قدرته على الاستغراق في النوم جعل من الآخر سببا! بينما تسقط قيم الأخوة والزمالة والمواطنة المتساوية، والكل أبناء وطن واحد، وتنهار قيم المحبة وفلسفة الأخلاق والجمال والدولة والديمقراطية لتزيد من عملية انهيار القيم الأكاديمية في حرم الجامعة.

• إن العرف الأكاديمي وقوانين الجامعات تشير إلى أن مسئولية المقرر الدراسي تسند بقرار مجلس قسم إلى أستاذ يحمل درجة الدكتوراه ... وهو عرف أكاديمي يعمل به في كل الجامعات كقيمة أكاديمية، في الوقت الذي نجد إسناد مقررات لمعيدين بل ولطلاب بمستوى أعلى كالرابع!! في سابقة خطيرة لا تعزز الانهيار القيمي للقيم الأكاديمية في الجامعة بل انحدارها بصورة متعمدة لتصل إلى ( كتاب جامعة صنعاء) وهو فعل متعمد يظهر التدمير المنظم للقيم الأكاديمية في الجامعة من قبل إداراتها..ما يعني تدمير المستقبل للوطن بفعل ممنهج ومقصود. 
فالمحافظة على القيم الأكاديمية مساهمة في صنع مستقبل ناصع وخلاق ومساهمة فاعلة في بناء أمن قومي مستقبلي لليمن، بل والعمل الحقيقي في ظل أمن الوطن واستقراره. وأولى تلك الأولويات فرض الدراسة في الحرم الجامعي مهما كانت الصعاب والعوائق .. فالعرف والقيم الأكاديمية تفرض علينا ذلك بل وقانون الجامعات اليمنية والمنظمات الثقافية والاتحادات الدولية تحتم هذا.
بل إن كتاب القرية أو ’’المعلامة’’ ـ في الزمن الماضي القريب كان الفقيه أو (سيدنا) ـ يحدد لنفسه مكانا ويعتبره مقدسا لتعليم تلاميذه- لا يتغير أبدا، بالرغم من أن النقل لا يكلفه 3 مليار ريال كما كلف جامعة صنعاء، بل يمكن أن يتم مجانا. 
ومع ذلك يفضل البقاء مكانه، المكان الذي تعود إعطاء دروسه فيه وتعود عليه طلابه، وفيه عرفه العامة والخاصة من الناس، وفيه وجد ذاته وفيه أيضا إرساء لقيم العلم التي لا تخترق أبدا.
فهل الخلاف الحالي في جامعة صنعاء خلاف سياسي أم تحدي أم قيمي؟؟؟

• لا ... ليس سياسياً وليس تحدياً، بل خلاف قيمي في الدرجة الأولى، بين مجموعتين ... وان كانت الأولى ممثلة بالإدارة الحالية وعدد من الأنصار ترى أن الأمر سياسي أو تحدٍّ بحت .. والثانية ممثلة بالنقابة وعدد من المحافظين على القيم الأكاديمية من أعضاء هيئة التدريس. ترى المجموعة الأولى أن خرق القيم الأكاديمية والدوس عليها سيمكن البعض من الصعود نحو العلو في الوظائف مستقبلا وبذلك لا يهمها سوى إبراز الذات والنزوع نحو اقتناص الفرص والسير في خط مستقيم تدمر من خلاله كل القيم الأكاديمية وبكل نرجسية..وتستخدم الطالب ذريعة في هذا التدمير من منطلق الحرص على مصلحته.
فإدارة الجامعة أمنيا هي لمصلحة الطالب، كما تدعي، والتدريس خارج الحرم الجامعي هو أيضا لمصلحة الطالب، وأشياء كثيرة هي في الأساس تدمير للقيم الأكاديمية وتقضي عليها تراها في مصلحة الطالب. وفي الحقيقة هي أيضا تضخيم للذات وبحثا عن مصالح شخصية للقائمين على هذه التصرفات من خلال إثبات ولائهم للغير حتى وإن كان على حساب القيم الأكاديمية وخرقها، وليس لمصلحة الطالب كما يدعون أو يسربون في ادعاءاتهم.
أما المجموعة الثانية ... تلتف حول النقابة بالرغم من تناقض هيئتها الإدارية سياسيا وانتمائهم لعدة أحزاب، لكنها ترى فيها إطار يجمع ويجتمع الجميع فيها كونها تحافظ على القيم الأكاديمية وتراقب الاختراقات للمنظومة القيمية الأكاديمية.
وبالرغم من اختلاف العديد من أعضاء هيئة التدريس بالجامعة معها في العديد من المواقف والآراء إلا أن الكل يلتف حول عملية المحافظة على القيم الأكاديمية ودعمها .. وهو ما يعني الموقف المعارض لمجموعة المصلحيين العاملين على تدمير قيم التعليم الجامعي، إما برغبة أو إرضاء لذوي السلطان والتقرب من أصحاب الحظوة والقرار لإثبات الولاء.
وترى هذه المجموعة ضرورة التمسك بالقانون والقيم الأكاديمية والمحافظة عليهما كهدف نبيل يعزز العملية التعليمية والتربوية في الجامعة ويقوي من مخرجات التعليم وجودته.. وهي المجموعة التي تًثبت الانتماء ليس للجامعة وحسب بل للوطن بأسرة، ومن خلال تبنيها لمسألة الدفاع عن القيم الأكاديمية، ولها من المواقف ما يمكن الاستدلال بها...عبر عقدين من الزمن اصطف بها وحولها الجميع مما شكل كتلة تجاه المجموعة الأولى في اختراقاتها للقيم الأكاديمية؛ كالتعيينات خارج إطار القانون الأكاديمي لتعيين أعضاء هيئة التدريس بالجامعة، سواء كان ذلك للمعيدين أو لأعضاء هيئة التدريس من حملة الدكتوراة المخالفة لقانون الجامعات، وكذا التعيينات في المراكز القيادية لجامعة صنعاء والتي أصبحت إدارة الجامعة الحالية أكثر ولعا بها حاليا؛ فكل عمداء الكليات لا يوجد لديهم قرارات تعيين في مراكزهم، بل يمارسون أعمالهم بتكليفات لا قرارات، في الوقت الذي يشير القانون بوضوح إلى أن عمداء الكليات يزاولون أعمالهم بعد حصولهم على قرارات تعيين من رئيس المجلس الأعلى للجامعات، رئيس الوزراء، بشروط خاصة يجب توفرها في المعيَّن؛ وهي شروط خاصة بالعمل الأكاديمي وليس الإداري، ما يعني أنها تختلف اختلافا كليا عن التعيينات الإدارية في أي مؤسسة إدارية، وحتى في الجامعات ذاتها.
وما ينطبق على العمداء ينطبق أيضا على رؤساء الأقسام العلمية في الكليات والذين يشترط القانون حصولهم على لقب علمي بجانب حصولهم على الدكتوراة أيضا ـ أستاذ أو أستاذ مشارك ـ وهو ما لم تلتفت إليه إدارة الجامعة في أغلب الأحيان إذ تقوم بتعيينات لرؤساء بعض الأقسام من حديثي التخرج ضمانا للولاء أو لغيره.
ما يعني إلغاء وتجاوزاً لكافة القيم الأكاديمية المعمولة بها في الجامعات العالمية التي تسهم في تنمية مجتمعاتها بصورة فعالة، من خلال محافظتها أولا على القيم والأعراف الأكاديمية والعمل بها.
وحتى تلك القيم التي كان يكتسبها الباحثون عن التعليم في كتاتيب زمان في الريف اليمني- عبر تعزيز علاقة احترام الأدنى للأعلى كعرف تربوي- تحولت إلى عبث أخلاقي تنهار معه كل مقومات الاحترام المتبادل بين الأستاذ والطالب، لتدمر معه قيم المهابة والاحترام المبجل من الطالب لأستاذه وتستحيل قيما بديلة عبر البوابة الأمنية والاستخبارية مرورا بتصفيات حسابات شخصية بين رموز من الإدارة والأستاذ، بنوع من الابتذال الرخيص لإرضاء الغير. حتى أصبح البعض من عمداء الكليات وإدارة الجامعة يديرون عدداً من الطلاب من أجهزة الأمن لتصفية حسابات خاصة مع البعض الآخر من زملائهم، إما لإزاحتهم من طريقهم، أو للتقرب من الغير أو لتصفية حسابات خاصة، بواسطة الدفع بتلك المجاميع إلى المواجهة المباشرة، في تدمير واضح لمضمون القيم الأكاديمية في الجامعة!
• لأعضاء هيئة التدريس بالجامعات اليمنية وصنعاء تحديدا مطالب تستند عليها منذ زمن وحتى الآن.. مطالب مرحَّلة عبر تاريخ زمني ليس قصيرا ، بل تمتد إلى القرن الماضي، كان آخرها الإضراب الذي دعت اليه نقابة أعضاء هيئة التدريس بجامعة صنعاء وعمران في إبريل ومارس2010م- باعتبار أن الاعتصام والإضرابات تعبير عن مطالب حقوقية لدى المؤسسات وقيمة في العمل الأكاديمي علمية وتربوية. وبالفعل كان لذلك الإضراب رد فعل باعتباره أطول إضراب نفذه أعضاء هيئة التدريس، وثانيا ككل الإضرابات كلِّل باتفاق عام بين النقابة وجامعة صنعاء ووزير التعليم العالي السابق ورئيس الحكومة السابقة تضمن 26 بنداً، بعض هذه البنود تراوحت الفقرات ما بين 7 فقرات تتبع هذه البنود.. و15 فقرة، ومع ذلك ينفذ! في انهيار أخلاقي واضح للعهود والمواثيق من قبل مؤسسة تدعي أنها أكاديمية.
وكان البند رقم 26- الفقرة 3- ينص على : اتفق الجميع على أنه في حال عدم الالتزام بتنفيذ بنود هذا الاتفاق بحسب المواعيد المحددة فيه، فإنه من حق النقابة الدعوة إلى الإضراب مجددا.
إنها مطالب أبسطها التأمين الصحي لأستاذ الجامعة، المعرضْ في أي لحظة من اللحظات للأمراض الخطيرة بحكم المهنة التي يمارسها- بحسب التصنيف العلمي للأمراض مثل الجلطة المفاجئة ارتفاع الضغط، السكتة الدماغية ارتفاع السكر في الدم وغيرها من الأمراض الناجمة عن العمل الذهني الصرف- يشاركهم في هذه الأمراض فئة الساسة والصحفيين،على اعتبار أن هذه الفئات تصاب بهذه الأمراض نتاجاً لطبيعة العمل الذي تمارسه.
وهو ما تطالب به نقابة أعضاء هيئة التدريس منذ تأسيسها وحتى اليوم دون أن تتمكن من الوصول إلى تحقيقه، نتيجة للتسويفات والابتزاز الذي يمارس من الجهات الإدارية في الجامعة، بصورة مخالفة لقيم العقود وأخلاقيات الاتفاقات المبرمة بين الناس. تلك المطالب لم ينفذ منها شيئ حتى ألآن، في نكوث واضح للعهود والمواثيق من قبل إدارة الجامعة، لاسيما السكن الجامعي والذي سبق للنقابة ان دفعت قيمة الأرض الخاصة بالسكن من قوت الأستاذ وأبنائه.. السكن الذي يمكن أن يشعر أستاذ الجامعة بالأمان والمواطنة المتساوية مع الغير، ويفتقد إليه أكثر من 95% من أعضاء هيئة التدريس بجامعة صنعاء، بالرغم من المطالبة بذلك لأكثر من 21 عاماً!! فكيف يمكن لأستاذ أن يتجاوب مع دعوة للعمل بالقاعة والوفاء بتبعات المهنة كاملة .. من إعداد، واطلاع، وبحث علمي ....الخ، في بلد لا يمتلك فيه سكنا (ليس قصرا)! وبلد لا يؤِّمن مستقبل الأجيال القادمة ليس بوطن. ووطنا لا يمنحنا الأمن والاستقرار لا يمكن أن يكون الأمل المنشود للأجيال القادمة؛ فلا يشعر الآباء أنهم مطمئنون على أبنائهم بعد الممات، ولا يمكن أن يخلص الأبناء في خدمته.
إن عدم امتلاك أعضاء هيئة التدريس بالجامعات للسكن يشعرهم دوما بأنهم مغتربون (مهاجرون) وأن عليهم العودة إلى أوطانهم بعد انتهاء فترة عملهم بمدينة صنعاء.. وأما معاش التقاعد فهو حق مكفول لكل من عمل مدة معينة، سواء في صنعاء اليمن أو غيرها من البلدان، سيصله كل شهر عبر التحويل البريدي أو البنكي وإلى أي مكان، لكن عليه العودة إلى وطنه حتى لا يصبح عبئا على الآخرين في أوطانهم فخدمته في وطن الغير انتهت مدتها!
إن عدم التعامل مع القضايا المطلبية والحقوقية لأعضاء هيئة التدريس، وتسويفها من قبل إدارة الجامعة، نوع آخر من الانهيار القيمي الممنهج من قبل الإدارة للعلم والأخلاق معاً.





الجمعة، 19 أغسطس 2011

فيما لو أصر صالح أن يظل حاكما

فيما لو أصر صالح أن يظل حاكما....!!!


الأربعاء , 17 أغسطس 2011

صحيفة الوسط

كتب/د.عبد الله مُعمر الحكيمي

تعيش اليمن هذه الأيام مأزقا حقيقيا لا نجد مخرجا منه بأي حال من الاحوال سوى بأحد الطريقين:

الأول: الاعتراف بوجود ثورة في اليمن حاليا هذه الثورة تقوم وفق الأهداف السلمية للثورات الشعبية تعرف بثورة الشباب السلمية الشعبية , وأنها تعمل على تحقيق أهداف محددة ولا بد من تحقيقها, وبالتالي على الطرف المواجه أو الواقف ضد هذه الثورة أن يعي أن وقوفه ضد هذه الثورة يعني الوقوف ضد تيار السيل النازل من أعالي جبال اليمن الشماء بكل قوتها.

بينما الاعتراف يعني انه من الضروري أن يمثل لإرادة الشعب اليمني وفئة الشباب منه الذي قام بهذه الثورة وانضم إليها جميع الفئات الشعبية بعد ذلك, والامتثال لهذه الإرادة , وبالتالي التوقف عن المكابرة والاستحواذ والتحجج بحجج واهية وتبريرات تزيد الوضع تعقيدا. كون الحجة من تلك الحجج مردودة عليها بما هو أقوى وأشد باستثناء حجة واحدة, التشبث بالسلطة والاستحواذ عليها وإنكار ما دون ذلك, بالرغم من ان استخدام العقل قليلا في كل الحجج بما فيها التشبث في السلطة قد سقطت قبل أن تولد وفقدت كل ما يمكن ان يدعمها بخروج ما يزيد عن 12 مليون مواطن إلى الساحات والمسيرات والاعتصامات, بحكم ان الشعب مصدر السلطات وفقا للدستور اليمني والعرف في كل دول العالم بمختلف أنظمتها وأنواعها.

مما يعني أن شعبنا منح حاكمه ثلاثة وثلاثين عاما من التفويض لإدارة شؤونه سحبت منه عندما أعلن الشعب المانح بأنه يريد إسقاط النظام, وهذا يكفي لسحب تلك المشروعية لأن يسلم الأمانة التي سلمت إليه من قبل المانح في يوم من الأيام, احتراما وتقديرا لهذا الشعب الذي كان وفيا معه, ان كان هناك حرص على اليمن وأهله.

وبذا يمكن أن ندع الشعب اليمني يدير شؤونه ومصالحه وفقا لما يراه مناسبا له, لا كما يراه الأوصياء. سيما وان الشعب شب عن الطوق وأصبح قادرا على العيش دون أوصياء.

فمثل هذا المخرج يمكن أن يضمن بقاء اليمن موحداً أرضا وإنسانا... ويمكننا أن نحافظ على وحدته ونبعد شبح التشطير, وهو ما ظهر بوضوح عندما رفع شعار ـ الشعب يريد إسقاط النظام ـ ومعه سقطت كل شعارات التشطير التي كانت مرفوعة منــذِ قبل , مما يعني أن بقاء النظام والتشبث بالسلطة سيكون دافعا أساسيا لإعلان العودة إلى الشطرية والتشطير مرة آخرى.

الثاني: عدم الاعتراف بوجود الثورة... والاستمرار في الاعتقاد بأحقية النظام القائم بالحكم والحاكمية .. وهو ما يبدو حتى اللحظة مسيطرا... ويظهر في حشد التبريرات والحجج.. وما اتخذه النظام من أساليب وطرق مختلفة في سبيل ذلك .. فمن محاولة اقتحام ساحة التغيير بصنعاء في 11مارس 2011م والأيام السابقة على ذلك وساحة خليج الحرية في اب يوم 7 مارس 2011م وما حدث في جمعة الكرامة 18 مارس في صنعاء وتلك المجزرة البشعة التي يشمئز لها البدن, وكذا محرقة تعز 29 مايو , وساحة المعلاء والمنصورة .... وغيرها من الساحات يدل على أن ادعاء النظام بأحقيته في الحكم أمرا لا يخضع لأي نقاش بل كلما أمعنا النظر قليلا يتأكد لنا شعار الحاكم العربي - إما ان أحكمكم أو أقتلكم - وهو السائد والمطبق في واقعنا اليمني كما في بلدان عربية أخرى.

لكن هذا الأمر سيقودنا في حال استمراره إلى طريق واحد دون سواه - مأزق الحرب والتقسيم - .. فاستمرار النظام في السير فيما هو فيه سيجعل الحراك الجنوبي يعلن التشطير ويعمل على فرضه بصورة أمر واقع لا مفر منه, وهنا سنرى حضرموت أنها غير عاجزة عن استحداث دولة حضرموت ومن معها, وكذا سيكون الأمر ذاته في ـ ابين والضالع وردفان - في الوقت الذي لن تقف - عدن ولحج عن ترسيم حدودها كدولة مستقلة لها الحق وفق قانون الأمم المتحدة أن تقرر المصير للشعب العدني.

لكن الشطر الثاني أو (الشمالي) كما كان يعرف لا يمكنه أن يحمل نفس الاسم السابق فسكان المحرقة - تعز - لا يمكنهم الا أن يحولوا المحافظة الحالمة إلى الدولة الثائرة, دولة مستقلة لها كامل السيادة, ويمكن لإب الخضراء أن تكون مع تعز دولة الهضبة الوسطى أو ان تكون دولة ذات سيادة ومستقلة استقلالاً تاماً, وبالمقابل أيضا سيكون للساحل التهامي, دولته أيضا دولة الساحل , وكذا دولة للحوثيين في كل من صعدة وأجزاء من عمران وحجة وبعض من مأرب والجوف, ولن يبقي مع النظام بعد ذلك من يطالبه بالرحيل أو إسقاطه, ولا يجد من يكسر رقابهم, بل سيحتشد البقية الباقية أبناء اليمن الأشاوس في ميدان السبعين بوقت دائم مرددين شعار ـ الكرسي حقك ملكك, والبقية خدام لك ... بينما من رحلوا عن النظام يعيشون في دول المواطنة فيها متساوية. والحقوق والواجبات تسري للجميع.

*أستاذ علم الاجتماع المشارك- جامعة صنعاء


http://www.alwasat-ye.net/index.php?action=showDetails&id=3864


الخميس، 7 يوليو 2011

ثورة الشباب بين الأزمة السياسية والعقاب الجماعي

الحكيمي:   ثورة الشباب بين الأزمة السياسية والعقاب الجماعي



كتب/د.عبد الله مُعمر الحكيمي     في صحيفة الوسط  الأربعاء , 6 يوليو 2011 م

العقاب الجماعي أسلوب من أساليب السلطة اليمنية في عقاب الشعب لأنه ثار على النظام القائم وأراد ان يغير الحاكم, والمتمثل في إعدام المواد النفطية وانقطاع التيار الكهربائي بصورة دائمة وتلك هي الآليات لهذا العقاب, لكن النظام لم يفرق في عقابه هذا بين المؤيدين له والثائرين عليه, في استخدام الأسلوب العام والشامل فإذا كان هذا العقاب لمن يريد إسقاطه فهذا شيء مفهوم وواضح لنا في أسبابه, أما المؤيدون للنظام فلماذا يعاقبون.... مجرد تساؤل نجد الاجابه عليه لا تخرج عن احتمالين: الأول: ان النظام يعي جيدا أن لا أنصار له في الشارع اليمني مطلقا, وأن من يستخدمهم للقيام بمهام تأييد إنما هم من النوع الانتهازي أو ممن ينطبق عليهم قول الأثر العربي (سيفي مع معاوية وقلبي مع علي) لذا يدرجون ضمن العقاب الجماعي بحكم أن الولاء ليس كاملا وصادقا.. أما ثانيا: فالنظام لا يثق ولا يحترم من يقف معه مقابل الدفع المسبق انطلاقا من فكرة تدرج وتراتب الولاء .. وهنا يكون العامة من الشعب ضمن الدائرة الأخيرة لمسألة الولاء حسب تصنيفات النظام. وبالتالي فلا مكانة لهم لدى النظام باعتبارهم بايعي الضمير وخارجين عن القيم الأخلاقية لمسألة الولاء. كونهم مشترون من قبله بحفنة من الفلوس وبالتالي يستحقون العقاب شأنهم شأن الثائرين على النظام. وهو اسلوب خاص بالسلطة اليمنية لعقاب الشعب اليمني وتطلعاته المستقبلية في السير نحو الحرية والحياة الكريمة, فمن امتهان آدمية الشباب في الساحات الى العقاب الجماعي في المواد الضرورية الى حرمان الاطفال من متعة مشاهدة مسلسلاتهم.
و يدخل إطفاء الكهرباء هذه الأيام كنوع من العقاب الجماعي ضمن الجرائم ضد الإنسانية ويعزز ذلك استمرار الإطفاء أثناء عملية الامتحانات العامة فالمبدأ الإنساني يقول علينا ان نوفر جوا هادئا ومناسبا لامتحانات أبنائنا الطلاب, أما أن نزيد من امتهان أدمية أبنائنا فهذا أمر يضع وزير التربية في مقدمة المتهمين بهذه الجرائم لإصراره على امتحان الطلاب وسط الرصاص والظلام وارتفاع تكلفة المواصلات, واختفاء الغاز والبترول والجاز والديزل.

يبدو ان الامر وصل الى نقطة اللاحسم أو الى مرحلة الانهاك لجميع الاطراف, بما فيها النظام والذي وصل من الضعف - وان كان ضعيفاً أصلا - بحيث أنه لم يعد قادرا على إعادة الأمور إلى ما قبل فبراير 2011م. وساحات لا تستطيع ان تحقق الأهداف التي خرج الشباب من اجلها.

وسط حسابات إقليمية ودولية تعتقد بأن الثورات الشعبية يجب أن تموت في اليمن حتى لا تفكر بقية الشعوب المجاورة بنفس الأسلوب ويرجع هذا لأهمية النموذج الذي قدمه ثوار اليمن بمبادئهم السلمية من حيث الأسلوب والمضمون البشري اليوم, فقوة البناء القبلي وانتشار السلاح ووجوده في أيدي الناس بكثافة, وانتشار الثارات بين الجماعات وحتى في إطار القبيلة الواحدة وضعف تشكل المجتمع المدني منذ أربعينيات القرن الماضي وحتى الآن. مع وجود مؤسسة عسكرية تدين بالولاء للأفراد وليس للوطن والشعب. في مجتمع انقسامي يعاني أفراده وجماعاته من التشظي الداخلي على مستوى الجماعات والافراد داخل المنطقة الجغرافية الصغيرة, ومحيط اقليمي يعاني من التكلس السياسي في بنيته الداخلية ومنظومة العلاقة بين النخب السياسية والمجتمعات المحلية, وبالتالي فان نجاح ثورة اليمن على أساس ثورة وليس أزمة سيشكل نموذجا فريدا يلهم الانسانية والشعوب الساعية الى الحرية عاجلا أو أجلا, لذا يسعى المحيط الاقليمي الى إخراجها بنجاح على أنها أزمة وليست ثورة. على اعتبارأن ذلك سيخفف من الاستلهام الاجتماعي من قبل شعوبها لثورة اليمن الشبابية الشعببية.

وبالتالي يضع في حسباته هذا التأثير في أسلوب العلاقة في تعامله مع الشعب اليمني من خلال هذا التأثير المتناغم مع اتجاهات وقوة وسرعة التأثير المتوقع من اليمن تجاه تلك المجتمعات لهذا يسير الاتجاه الآن الى التعتيم التام على صحة رئيس الجمهورية ومرافقيه من قادة الدولة فيما يتداول الشعب ثلاث اتجاهات متنافرة تماما من الأخبار عن وضعه الصحي.

فالاتجاه السعودي الغامض تماما ينطلق من حجة الضيافة وشروط الاستضافة لرئيس دولة ومجموعة من كبار مسئولي الدولة, والموقف الدولي وهو الثاني: والمتمثل في المطالبة بنقل السلطات بأسلوب سلس, دون أي اشارات لذكر صحة رئيس الدولة, في الوقت الذي يشير القسم الثالث في هذا الاتجاه الدولي الى أن رئيس الدولة قد مات يوم الاثنين 13 يونيو2011م من خلال التسريبات الاعلامية وأذكر هنا بما أوردته قناة 24 الفرنسية, والموساد الاسرائيلي. وكذا بعض المواقع الالكترونية الدولية.

أما الاتجاه الثالث هم الطرش في الزفة ونقصد بهم المصادر الرئيسة في السلطة اليمنية, والمتمثل في تلك التصريحات للبعض في وسائل الاعلام والتي تشير الى أن الرئيس في غرفة المكياج والله يعلم متى ينتهي من هذا المكياج. وهذا استخفاف بالشعب اليمني أكثر من أي شيء آخر.

لكن ضمن هذه المجموعة يوجد معنا الطرش فاتحي الفم دائريا (اللقاء المشترك) والذين لم يعيدوا الفتحة الدائرية الى وضعها الطبيعي منذ 3يونيو2011م وحتى الآن ليكلفوا أنفسهم عناء اصدار بيان على الأقل يطالبون فيه معرفة الوضع الصحي لرئيس الدولة ومن مصدر طبي وكأن الامر لا يعنيهم مطلقا.

في الوقت الذي نعرف جميعا أن رئيس أي دولة هو شخصية عامة وبالتالي من حق شعبه أن يقف على وضعه الصحي بصورة دائمة وأولا بأول ان كان هناك أدنى حد من الاحترام للشعب لكن يبدو اننا في سلطة لا تحترم شعبها بل تستخف به الى أبعد حد من الاستخفاف والمهانة في وضع الحقيقة الاعلامية بين يديه عن صحة حاكمه.
أمام هذا الوضع نجد الآن شباب الثورة والساحات ومن خلفهم كل الثائرين الفئة الاكثر قدرة على التجدد التلقائي والسريع ايضا والذي نرى ان لديها آلية الحسم والخروج بالجميع من دائرة الحلقة المفرغة. كونها القوى الاكثر قدرة على حشد قوتها والاكثر قدرة أيضا على التجدد والتفعيل المستقبلي في فرض الارادة الثورية وتحقيق الاهداف الثورية. وان كانت أقل تنظيماً في ظل هيمنة للقوى السياسية في قيادة الاحزاب.

صحيح أن الساحات منهكة سيما وان الشباب في خيمهم زادت مدتها عن أربعة أشهر وهي القوى التي تلقت قمعا أشد وحشية وقسوة. لكن حيويتها متجددة.
أما كيف فسنترك ذلك الى الاسبوع القادم

*أستاذ علم الاجتماع المشارك-كلية الآداب جامعة صنعاء

http://www.alwasat-ye.net/index.php?action=showDetails&id=3709