الا يكفي هذا الانحدار لإنقاذ جامعة صنعاء؟!!!

الجمعة، 4 يونيو 2010

فهم واقعنا الثقافـي ... لماذا؟



فهم واقعنا الثقافـي ... لماذا؟

لكي نفهم النظريات الاجتماعية والثقافـية المحدثة نتعامل معها، ونصل الى للإجابة عن التساؤل: ما مدى مواءمة مثل هذه النظريات لمجتمعنا، وما مدى قدرتنا على التعامل معها نجد أن من الضروري التعرف على ملامح ثقافتنا وسماتها، ولاسيما الثقافة الشعبية التي تتشكل منها البنية الثقافـية للمجتمع، والتي نعتقد أن بين طياتها تكمن مفاصل تقدمنا وتطورنا، وبينها أيضاً تكمن عوامل تخلفنا وعوائق تقدمنا.
لذلك أجد نفسي منساقا الى سبر أغوار تأثير الثقافة الشعبية على كثير من المتغيرات الاجتماعية ، كالصحة وتفسير أسباب المرض، وكيفـية التعامل معه وقائيا وعلاجيا ... انطلاقا من أن فهم مضامين الثقافة الشعبية سيمكننا من فهم الواقع الاجتماعي كاملا، وسيفسح أمامنا أفاقا جديدة تمكننا من التعامل مع أية نظريات أو مفاهيم جديدة وافدة تفرض علينا من قبل الغير، أو يحاول البعض التعامل معها وفرض تطبيقها فـي واقعنا.
وكان قد سبق فـي فترة من الفترات محاولة العديد من سياسي العالم الثالث ومثقفـيه التعامل مع النظرية الماركسية، وفرض مبادئها وأهدافها فـي بلدانهم، دون أن ينظر مثل هؤلاء الى واقعهم الثقافـي والاجتماعي متناسين قيم مجتمعاتهم وعاداتها وتقاليدها وتراث كل منها، معتمدين على أخذ قوالب ونظم جاهزة لمجتمعات أخرى تختلف اختلافا كليا عن مجتمعاتهم، مما أدى الى إخفاق مثل هذه التجارب، وتصادمها مع الواقع وتعارضها معه.. وتكرار الأمر نفسه فـي بعض المجتمعات التي عملت وفقا للخط الرأسمالي لتجاهلها لخصوصية مجتمعاتها.
ويأتي إخفاق مثل هؤلاء كونهم لم يحالوا أن يخضعوا مثل هذه النظريات للواقع، بل حاولوا إخضاع الواقع وتكييفه وفقا لمنطوق هذه النظريات بشكل قسري متجاهلين كل ما يجود به التراث من نظم وأنماط وأعراف اجتماعية، بغض النظر عن مضمونها السلبي أو الايجابي.
وحاليا نجد أنفسنا أمام مفاهيم ونظريات جديدة ظهرت فـي العقد الأخير من القرن الماضي، كالعولمة بكل مفهوما تها وتفرعاتها المختلفة، بوضعها لتصورات جديدة لشكل النظام الاقتصادي والثقافـي والإعلامي والسياسي الذي يخدم أفرادا معينين فـي المركز الرأسمالي، وعلينا "فرضيا" كشعوب وأفراد التعاطي مع هذا النظام كاملا فـي الوقت الذي نجد أن واقعنا الاجتماعي والثقافـي والاقتصادي يختلف مع معطيات النظام العالمي الجديد كما يطلق عليه.
فما الواجب علينا إذا؟. هل نرفض التعامل مع هذه المتغيرات؟ أم نتعامل معها؟ وكيف؟.
فـي اعتقادنا أن الخروج من هذه الدائرة لا يخدم مجتمعاتنا. وكذا الاندماج فـي هذه الدائرة لا يخدم مجتمعاتنا أيضا، وذلك لوجود خصوصية لا يمكن إهمالها أو تجاهلها، وهي الخصوصية الثقافـية، المتمثلة فـي العادات والتقاليد والأعراف التي من خلالها يمكننا اختيار ما يناسبنا ويلائم مجتمعاتنا. فلا يلغي هويتنا وشخصيتنا، وحتى نتفادى خلق بلبلة داخل مجتمعاتنا نتيجة لهدم البناء الاجتماعي والثقافـي والاقتصادي القائم، من غير أن نعمل على إقامة بناء جديد يلائم المجتمع ويحافظ عليه ويعمل على تحاشي انهيار المجتمع ونظمه المختلفة.
لذلك فان تطوير المجتمعات وتقدمها لا يأتي من خلال القوالب النظرية الجاهزة، وإنما يكون من خلال تطوير بنية المجتمع ذاته. وعن طريق البحث فـي المضامين الثقافـية والعمل على تطوير بعضها والاستفادة منها، ولاسيما أنها نتاج لتراكم خبرات إنسانية مرتبطة بالمجتمع نفسه، عبر أزمنه طويلة كالعلاجات الشعبية "مثلا" التي تعد جزءا أساسيا من ثقافة المجتمع اليمني، ومن ثقافة أي مجتمع من المجتمعات وخصوصا أن بعض المجتمعات سبق لها أن تعاملت مع موروثها فـي هذا الجانب واستفادت منه فـي دفع الأمراض كالصين، عندما اتجهت بها ثورتها الثقافـية الى موروثاتها العلاجي للبحث عما يمكن الاستفادة منه، إذ قامت بتطوير بعض الأساليب والطرق العلاجية التقليدية وفقا لأسس الطب الحديث. وحاولت تعميم بعض تجابها فـي مجتمعات أخرى، فما المانع لدينا إذا من الاستفادة من تراثنا فـي مجال العلاجات الشعبية أو على الأقل اختيار بعض الأساليب والعمل على تنقيتها من الشوائب العالقة بها عن طريق عقد دورات تدريبية للمعالجين، ولا سيما أن وجود العلاج الشعبي والتقليدي لم يكن مجرد صدفة من الصدف، أو مجرد وجود مادي نتيجة لتفاعل الطبيعة، وضرورة من ضرورات الحياة والوجود الإنساني، وجزءا من أسباب وعوامل المحافظة على بقاء الإنسان على هذه الأرض، على اعتبار أن الطبيعة منتجة لبعض الأمراض، ومقابل هذا الإنتاج ظهر رد فعل معاكس، تمثل فـي البحث عن وسائل الشفاء، فكانت كل مشكلة تواجه الأفراد أو تهدد كيانهم الداخلي تدفعهم الى البحث عن وسائل حماية من هذا التهديد.. وبالقدر الذي مثلت الطبيعة مصدرا للأمراض فإن فـيها مصدرا من مصادر الشفاء. ولما كانت الثقافة الشعبية من أهم الأنماط الإجتماعية وأكثرها احتضانا لفلكلور الشعوب فق رأينا أن تكون الثقافة الشعبية متغيرا أساستا "متغير مستقل" فـي موضوعنا هذا ، كونها تعطي الأفراد قدرة على تفسير الأمراض ومسبباتها، كما تمنح المعالج إمكانات واسعة وغير محددة فـي تفسير الأسباب وكذا التفنن فـي طرق العلاج، كما اعتبر المرض وأسلوب العلاج " متغير تابع" بهدف التعرف على أساليب مقاومة المرض.
وإذا كان التطور والتقدم العلمي ــ والطبي على وجه الخصوص الذي يشهده العالم اليوم ـــ يعد تطورا ايجابيا فـي سبيل القضاء على المرض ورفع مستوى صحة الإنسان، إلاّ أنه بالمقابل لا يمثل أهمية بالنسبة لما يحمله الإنسان من مفاهيم وقيم ومعتقدات خاصة ببعض الأمراض والعلاج، كون التطور لم يشمل جميع الأفراد على هذا الكوكب وإنما يرتبط دوما بأفراد معنيين فـي إطار المجتمع الواحد، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن عملية التطور لم تتم، لوجود بعض القصور فـي علاج المرض بالطرق الحديثة مما يجعله مبرراً للرجوع الى أساليب العلاج التقليدي ... لذلك فمن غير المتوقع ترك التعامل مع الأساليب الشعبية والتقليدية فـي علاج المرض على الفهم الشعبي للمرض وهو الأمر المرتبط بالثقافة الشعبية ومضامينها المختلفة الذي يعد أكثر صعوبة.
وإن كنت فـي مواقع شتى من هذا الموضوع قد أشرت الى ايجابية بعض أساليب العلاج الشعبي والتقليدي فإنني لا أقصد بذلك الدعوة الى ترك الأساليب العلمية فـي العلاج والعودة الى تلك الممارسات التقليدية وإنما قصدت الى دعوة الآخرين للتعرف على بعض القضايا والأساليب العلاجية الشعبية التي يضع بعض الأفراد ممن يتعصبون للعلاج الحديث بيننا وبينها حجابا فـي الوقت الذي نجد من الممارسين لها من يتعامل معها بوعي مشوه وبتفسيرات خاطئة .. لكن المعتقد بهذه الأساليب الشعبية كالمنكر لها من حيث التعصب الذي لا يقره المنهج العلمي .. سواءً أكان مع الموروث الخاص بطرق العلاج أو ضده .. وفـي كلا الحالتين نحن بحاجة لإماطة اللثام عن العديد من تلك الأساليب وإيجاد تفسيرات علمية لها تثبت سلامتها أو تنفـيها، حتى لا يظل نصدر أحكاما جزافـية .. أما مسألة اقتناع بعض الفئات الاجتماعية بوجود بعض الظواهر "العين مثلا" أو حقيقة وجود "السحر" فإنما هو أمر يعود الى تعود بعض الشرائح الاجتماعية على نوع معين من التفكير والنظر الى الأشياء بطريقة تقليدية تلقائية، فالذي تعود أن ينظر الى الأمور بهذه الطريقة التلقائية يختلف عن الذي نظر إليها بالتجربة والمعرفة العلمية التي من خلالها توصل الى معرفة كثير من الحقائق، يصبح من الصعب عليه إقناع الآخرين بما توصل إليه .. لكن طبيعة البحث العلمي تدعونا الى التجرد ووضع التساؤلات عن هذه الأساليب ومحاولة البحث عن إجابات علمية لها .. تمكننا من التوصل الى توصيف علمي لهذه الأساليب يثبت بعضها أو كلها أو ينفـيها.







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق